تظهر لنا حينما نخرج عن حدود الوطن أرقام هاتفية تستميلنا بعلاقاتها الدافئة، ونظن أن قلوب هؤلاء تنفطر علينا، حتى وإن كنا على مشارف حدود أخرى، لتبث نحونا بطاقات تتمنى فيها لنا السفر الموفق، والرحلة السعيدة، وتستقبلنا في البلاد التي نحل نفس هذه الأرقام وبالقدر ذاته من الحفاوة، بل وتضع تحت تصرفنا أيضا رقما جميلا سهلا ومتوردا يغريك بمحاولة الاتصال به وشكرهم على هذا الاهتمام. إلا أنك تصاب بالخيبة حينما تكتشف أن هذا الرقم الذي تدخره لنوائب الزمان غير موجود في الخدمة أصلا، فلا يرد عليك أحد ولا تستطيع أن تتصرف بما يحفظ لك حقوقك. تضطر إلى إجراء مكالمة حينما تفقد هاتفك - على سبيل المثال - وهو جزء من ممتلكاتك الشخصية التي قد تستخدم في حالة فقدانها بشكل سيئ يسبب لك لا سمح الله بعض المتاعب، فلا تجد من يجيبك على هذه الأرقام التي كانت تتصور أنها ستسهل لك مهامك في الغربة. ففي ظل هذا البحث عن إجابات لهذه الاحتمالات والحدسيات عن أمر هذه الأرقام التي تستقبلك وتودعك بحفاوة مفرطة، لا يمكن لك إلا أن تتصور أمرا واحدا هو أن من وضع هذه الأرقام كان يريد أن يضفي على رحلتك بعض الطرف أو الدعابة، أو يشاكسك بهذه المزحة الثقيلة.
|