Monday 4th July,200511967العددالأثنين 27 ,جمادى الاولى 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

في الوطن مندوحة للإجازةفي الوطن مندوحة للإجازة
عبدالله الصالح العثيمين

من الأمور التي ما زال منخل الذاكرة محتفظاً بشيء منها لعبة كان الأطفال في مسقط رأس كاتب هذه السطور -وربما في بلدان نجدية أخرى- يتمتعون بممارستها، وهي واحدة من الألعاب المحلية الباعثة على النشاط والحيوية.
وكان رئيس الفريق اللاعب في تلك اللعبة يقول في مرحلة من مراحل تنفيذها: (تفرقعوا يا عصافير مكة). فيذهب كل طفل إلى مكان يختاره، ويحاول الذي كان عليه دور البحث معصوب العينين أن يجد أي طفل في المكان الذي اختبأ فيه. وما إن يجده حتى يبدأ بضربه (بغترته) ثم يتابعه الأطفال الآخرون في الضرب، والمضروب يركض حتى يصل إلى مكان يسمى (المحبش)، حيث يصبح آمناً من ذلك الضرب غير العنيف.
ولا أعلم لم اختيرت عصافير مكة - شرفها الله- من بين عصافير أخرى. لكن ربما ربط أول من استعمل تلك العبارة بين قدسية المكان وبراءة الأطفال.
وعلى أي حال - فإني لا أدري لم خطرت ببالي تلك اللعبة والعبارة التي كانت تقال فيها هذه الأيام. ولعل رؤيتي كل من حولي - وقد بدأت إجازة الصيف لأكثرهم وأوشكت أن تبدأ للقليل منهم - وهم يعدون أنفسهم لمغادرة أمكنة عملهم ودراستهم كي يتمتعوا بأيام تلك الإجازة ولياليها.
بعض هؤلاء عقدوا العزم على السفر إلى أقطار تبعد أو تقرب من الوطن جغرافياً أو ثقافياً واجتماعياً. وبعضهم قرروا أن يقضوا تلك الأيام والليالي في ربوع البلاد، سواء في منطقة من مناطقها أو في الترحال من منطقة إلى أخرى، بما في ذلك أداء العمرة وزيارة المسجد النبوي في المدينة المنورة. ولكل من الناس مشاربه وتوجهاته.
في الرحلة إلى خارج الوطن فسحة يتمتع فيها السائح بأجواء معتدلة المناخ، وفيها فائدة اطلاع عن كثب على ثقافات مجتمعات متنوعة إذا كان ممن يقدرون السياحة حق قدرها. لكن في تلك الرحلة ما فيها من جهود لا بد من بذلها لإتمام اجراءات السفر والإقامة، إضافة إلى التكاليف المالية التي هي في أغلب الأحيان ثقيلة على كاهل أرباب الأسر ذات الدخل المحدود أو المتوسط. وفي السنوات الأخيرة، وبخاصة بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر المشؤومة، ربما واجه المصطاف السعودي في الخارج، لا سيما في البلدان الغربية، ما لا يرتاح لمواجهته اجرائياً أو نفسياً. وإذا كان ممن يسيطر على وجدانهم الهم العربي الذي تسهم جهات غربية متعددة في تكثيف وطأته، فإن مشاعر عدم ارتياحه نفسياً ستكون مواكبة لخطواته وحركاته وسكناته اينما حل وارتحل في بلد غربي مع اختلاف في تلك المشاعر بطبيعة الحال.
وفي قضاء اجازة الصيف في ربوع الوطن الشيء الكثير من الفوائد.
فإجراءات السفر والتنقل والإقامة ميسرة، والتكاليف - على العموم - اقل بكثير من تلك التي يتحملها من يذهب إلى خارج البلاد.
وفي مناطق الوطن ما يرضي رغبات الكثيرين. فهناك مناطق جبلية السطح معتدلة الجو، مثل منطقتي الباحة وعسير. وهناك بقايا شواطئ جميلة نسبياً في شرقي البلاد وغربيها. ولو طورت الشواطئ الشمالية الغربية من الوطن لأصبحت متنفساً رائعاً لكثيرين. وهناك واحات ذات مزارع مزدانة بالنخل ذات الأكمام والأشجار المتنوعة. وإذا كان من لديه إجازة مثل كاتب هذه السطور، الذي قضى بعض الوقت من ريعان شبابه في حرفة الزراعة، وأحبها رغم تعبها، فإنه سيكون متمتعاً بقضاء اجازته في تلك الواحات.
ومن تلك الواحات واحات منطقة القصيم التي يجد فيها السائح استراحات كثيرة يمكنه أن يستأجر واحدة منها بأجور مناسبة، وينعم بالسباحة في بركتها المليئة بماء خارج من البئر مباشرة صافياً لذيذاً، ويتمتع بنسيم أمسيات ينعش الروح ويبث السعادة في النفس، وإضافة إلى ذلك سيجد نشاطاً سياحياً جذاباً تتنافس في عرضه وتقديمه بلدان المنطقة تنافساً جميلاً. ومثل هذا النشاط موجود في مناطق الوطن الأخرى، وهو نشاط كانت ريادته في منطقة عسير المتوهجة حيوية. وفوق هذا كله سيجد السائح - إذا كان قد ذهب إلى المكان الذي ولد ونشأ فيه - أناساً من أقاربه واصدقاء طفولته وشبابه يبادلونه المودة والذكريات بكل تفصيلاتها.
وكان كاتب هذه السطور -ومسقط رأسه ومرتع صباه عنيزة- قد بعث قبل سنتين أبياتاً إلى صديقه وزميله الأستاذ الأديب حمد القاضي، سائلاً عن كيفية قضائه الإجازة وأين قضاها، وربما وجد القارئ الكريم والقارئة الفاضلة في هذه الأبيات ما يشفع لموردها على إيرادها.. تقول الأبيات:


أبا بدر نعمت وطبت ظهرا
وزادك بارئ الأكوان يُسرا
فأنت نبيل ما تهوى حري
وأنت ببذل ما قد نلت أحرى
سألت العارفين.. أما رأيتم
فتى قطع الدنى براً وبحرا
وما من موطن يرتاد إلا
أحاط بسحره الفتان خُبرا
فما عرفوا.. وما حاروا جواباً
شراعك أين سار وأين قرا
وأذرعة المرافئ شائقات
لتحضن بالندى الصبح الأغرا
ولي ثقة بمن هو ذو صواب
وقلب فكره بطناً وظهرا
لعل إجازة في الصيف كانت
وأنت تطارح الأوقات حُرا
قرير العين مبتهجاً سعيداً
فؤادك ودع الشجن الأمرا
ومسقط رأسك اشتهرت رباها
كأجمل ما رأى العشاق طُرا
فهل أمضيت بعض الوقت فيها
وطفت بما تلذ العين شهرا؟
أظنك عاشقاً مثلي.. عليها
تشوف منائراً بُنيت بمصرا
ومثلي لا يروقك مهرجان
على جرش ينظم أو ببصرى
وعهدي بالغضى مهواك ربعاً
تجدد فيه لابن الريب ذكرا
إذا ما الشمس ودعت البرايا
لتأخذ في المدى الغربي خدرا
وخلف رونق الشفق المولي
سدول الليل للآكام سترا
يطيب على (المصفر) شب نار
توهجها يظل سناه فجرا
ويحلو السامري أصيل فن
لمن عرف الهوى عصراً فعصرا
وهل عن فتنة الفيحاء بد
عروساً تخلب الألباب سحرا؟
تتيه برملها الذهبي غرباً
وشرقاً تزدهي بجمال صفرا
وكم هامت بطلعتها قلوب
فخطت بوحها شعراً ونثرا
ولست مفصلاً ما أبدعته
مفاتنها فأنت بهن أدرى

وللجميع إجازة ممتعة

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved