شرفتني أحدى الدوريات المحلية قبل أكثر من عقد من الزمان بلقاء صحفي قصير المدة بعيد المدى، تناول العديد من المسائل التي تشغل الخاطر المعاصر، قلقاً ومتابعةً وتأملاً، وقد حاولت التعامل مع تساؤلات ذلك اللقاء عبر إجابات قصيرةٍ ما أمكن، ورشحت لحديث اليوم مختاراتٍ من تلك الإجابات. *** * سألوني عن (الانتفاضة) في فلسطين ماذا بي منها؟ فقلت: بقي منها ذكرها الذي يعمر النفوس إعجاباً بصانيعها.. وبقي منها أثرها الذي أفرز (انتفاضةً) من نوع آخر في بعض أفئدة صهيون الراغبة في السلام.. فكان ما كان.. والليالي.. حبلى بالمفاجآت! *** * قالوا: فما تقولُ عن محادثات (خارطة الطريق) القادمة؟ فقلت: أتمنى الا تفشل وتذهب ريُحها، كما فعل سواها أمام تعنت المفاوض الصهيوني وإصراره أن تكون يده هي العليا! فقد أعطى الفلسطينيون من أنفسهم كل شيء.. وما أبقوا شيئاً!! *** * وسألوني عن رأيي في حركة الإبداع العربي! فقلت: سؤال قاس بكل المقاييس، يستحوذ الرد عليه كتاباً، ولست أهلاً لحمل ذلك العبء، وتحمل أذاه، كل ما يمكنني قوله في هذا الرد المقتضب هو أن حركة الإبداع في بلادنا خاصةً.. وفي عالمنا العربي عامة، تشبه في بعض إيقاعاتها تغيرات الطقس.. إما حر يشوي الوجوه.. أو صقيع يجمد الأطراف، أو ربيع يفتن النفوس! لكنه ربيع قصير الأنفاس، يأتي ويرحل على عجل، ولو أنصفت في الرد على هذا السؤال لقلت: اسألوا مبدعي الحرف من الشباب والشيوخ.. فلعلهم يرون ما لا نراه، ويحكمون بما يعلمون! *** * واستفزني سؤال آخر بالقول:(من أنت)؟ فقلت: عابر سبيل يأتزر برداء متواضع من المعرفة والتأهيل والإنجاز، يحاول أن يحرز توازناً بين طموح العقل وقناعة النفس.. همه الأكبر رضا الخالق قبل المخلوق.. وهاجسه الدائم أن يرضى عنه من الخلق أعقلهم، وأعرقهم فهماً بخصائص الإنسان، سليمها وعليلها..!! *** * وتداخل ضمن اللقاء الحديث عن (الدش) أو القرص اللاقط لما تبثه قنوات الفضاء، ما له وما عليه؟ * فقلت: أخذ (الدش) منا الكثير.. وأعطانا الكثير، صرنا في حضوره أقل كلاماً وأكثر صمتاً.. لم نعد نحفل بصحف النهار.. أو (سواليف) الليل، فهو أسبقها علماً بما يحدث.. وهو أصدقها رصدا لما يحدث.. وهو خير منها استقطاباً للأسماع والأبصار! *** * لكننا، في المقابل خسرنا بحضوره رفقة الكتاب. فلم يعد لبعضنا خير جليس، وخسرنا معه (منادمة) الأصدقاء النافعين لا الضارين، وبعض (عفويات) الفرح والمرح الأسري.. وأخشى ما أخشاه أن تكون فتنته قد امتدت إلى أكبادنا التي تمشي على الأرض.. لينسوا بسببه مهمة التحصيل.. وهاجس الغد!! *** * أما ما يقال عن (فتن) الحس التي يبثها (الدش) وتلتقطها الأبصار والأسماع، فتلك حقيقة، لكن المرء منا المؤمن العاقل يعلم ما يضره فيجتنبه، وما ينفعه فيتبعه، والرأي في مثل هذا المقام والمقال ليس كظلمة الليل عتمةً، أو إشراقة النهار ضياء، لكن الحصيف من فرق بينهما، خياراً وحكماً ونتيجةً!
|