في المقالة السابقة عرضت الجزء الأول لأهم أسباب فقر الدول الفقيرة، وتناولت نظريات التنمية المتفاوتة، بالاستناد إلى كتاب (من الحداثة إلى العولمة) تأليف روبيرتس وهايت عن سلسلة (عالم المعرفة)، وهنا الجزء الثاني. يمكنني ببعض الحذر أن أقسم تلك التنظيرات إلى تيارين حداثيين: رأسمالي غربي ويساري ذو ميول اشتراكية. الأول هو الطرح التقليدي لنظرية التحديث، الذي يؤكد أن التصنيع (على أساس توفر رأسمال ضخم) والحضرنة هو أساس التنمية؛ ويقترح استثمار الدول الغنية في البلاد الفقيرة لمساعدتها. وأُنتُقدت هذه النظرية على أساس أنها لا تدرك الفوارق بين البلدان، ولا الخبرات الخاصة للمجتمعات، وأن التحديث أصبح كناية ملطفة عن الأمركة، كما أنها تؤكد على أن مشاكل الدول الداخلية هي سبب التخلف، فهي تلوم الضحايا على فقرهم، بينما هناك أسباب خارجية مهمة تسبب الفقر قد أهملت. ونتيجة لذلك ظهرت في منتصف القرن العشرين نظريات التبعية ذات الميول اليسارية، مؤداها أنه نتيجة للعلاقات الاستعمارية القديمة ثم الاستعمار الجديد ظل العالم الثالث تابعاً للغرب: مجرد مصدر للمواد الخام الرخيصة، وسوق لمنتجاتها المصنعة الأعلى سعراً، ومالت قيمة المصنوعات للارتفاع بينما تقل قيمة المواد الخام والمواد الغذائية الأولية، وكان على الدول الفقيرة أن تبيع المزيد والمزيد من السلع لتحصل على الأقل في المقابل. وتعرضت نظريات التبعية لنقد حاد نتيجة طبيعتها الممعنة في الوصفية والتعميم، وعدم قابلية بعض فرضياتها للاختبار، كما أنها لا تمتلك وضوحاً كافياً، ولم يعد المحللون يرضون بالتقسيم البسيط الفج للعالم بين مركز ومحيط (غني وفقير)، في زمن العولمة. ومن نظريات التبعية البنيوية انبثقت نظرية النظم العالمية باستخدامها طرق بحث كمي ومقارن. وترتكز هذه النظرية على أربع مسلمات: أولاً، هناك مجموعة عالمية واحدة وعمليات واسعة على نطاق العالم تخضع لها كل الاقتصاديات، فليست الدولة الوطنية هي المستوى الوحيد للتحليل في فهم عمليات التنمية والتغيير؛ ثانياً: تفصيلاً لعمل منظري التبعية، يتألف النظام العالمي من ثلاث مناطق: المركز (الغني)، شبه المحيط (متوسط)، المحيط (فقير)، مع السماح بإمكانية الحراك في تراتبية هذا النظام، رغم صعوبته؛ ثالثاً، التبادل بين هذه المناطق غير متكافئ واحتكاري؛ وأخيراً، الرأسمالية العالمية توسع مجال المشاركة وربط كل شيء بثمن التسليع وجعل الجميع عمالاً مأجورين (وولر شتين، تشيز دنفي). وبدورها تعرضت نظرية النظم العالمية لانتقادات، فعداً عن أن المجال مازال حديثاً للاختبار هذه النظرية، فإن أهم انتقاد هو أنها تفترض أن الاقتصاد يقود كل المجالات الأخرى للنظام، كما يعترض مفكرو ما بعد الحداثة بأن الاقتصاد ليس هو ما يحدد الثقافة في زمن العولمة، بل إن الثقافة هي التي تدفع إلى التغيير الاقتصادي. واستجابة لذلك أدخل منظرو النظم العالمية الدولة (العامل السياسي) في تحليلاتهم بشكل أكبر. وتُستهجن الغائية في نظرية النظم العالمية، أي الافتراض أن نظام العالم الرأسمالي يندفع باتجاه غاية محددة سلفاً ومقصودة، وله قدرة ومتطلبات وظيفية خاصة به. وهنا تتفرع التنظريات في زمن العولمة. فيرى ماك مايكل أننا لا نستطيع أن نصف العولمة ببساطة بأنها دمج اقتصادي، بل نقلة نوعية في شكل التنظيم الاجتماعي، تمثل تحولاً تاريخياً في الرأسمالية العالمية، يستخدم رأس المال المضارب مؤشرات موحدة عالمياً (للجدارة الائتمانية) لتقرير أي الشركات أو الحكومات يمكنها اقتراض المال وبأي شروط. وقد تكبدت الدول الفقيرة ديونا ثقيلة في محاولة بناء قطاعاتها الصناعية وبناها التحتية لكي تلحق بدول المركز. وشرح بورتز أن اللبرالية الجديدة جددت الاعتقادات القديمة في قدرة التجارة الحرة ورأسمالية (دعه يعمل) على حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية . وفي تساؤله: هل ذهبت العولمة أبعد مما يجب؟ يثير داني رودريك أن الاختلافات الصارخة في الآراء تكشف ببساطة عن الخط الفاصل بين الرابحين والخاسرين من العولمة، أي بين أولئك الذين يملكون المهارات الحركية للازدهار في الأسواق العالمية وأولئك الذين لا يملكون تلك الميزات، أو يرون أن توسع الأسواق غير المنظمة ضار بالاستقرار الاجتماعي والأعراف المستقرة. ويحذر رودريك الاقتصاديين من أن قلق الخاسرين قد يعطل المسير نحو التجارة العالمية الحرة، ويعيد حالة العزلة التي كانت قائمة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وربط ليسلي سكلير بين العولمة ونهوض حركات اجتماعية جديدة (النسوية، السلام الخضر البيئة، مناهضة العنصرية..)، مشيراً إلى أن عولمة الرأسمالية هزمت العمال نسبياً، وأوضح أن أي تحليل ماركسي يركز على العمل فقط، هو غير كاف لأن المطلوب هو (مادية تاريخية لكل الجماعات المضطهدة). وينتقد اليخاندرو بورتس التنمية في زمن العولمة، لأنها لم تعد تهتم بتقليص اللامساواة، بل بجعل الدول الشركاء فعالين في السوق العالمية، معتبراً ذلك نتيجة غير مقصودة لنموذج التنمية اللبرالية الجديدة. وينتقد بورتس نظريات التنمية التي تركز على جانب (اقتصادي أو ثقافي أو اجتماعي) دون آخر، لأن مثل هذا التناول أعمى لا يرى السياق الاجتماعي والتاريخي المعقد الذي يتخذ الناس من خلاله قراراتهم؛ فكل قرار نتخذه يعتمد على قضايا السياسة وعلم السكان والطبقات وعلى شبكات من العائلة والأصدقاء.. الخ. عود على بدء، ما أسباب فقر الدول الفقيرة، أو تخلف الدول المتخلفة؟ من الملوم على النتائج غير المقصودة للتنمية؟ وماذا يمكن القيام به؟ هل على الحكومات أن تتدخل بقوة، أم قليلاً، أم تتنحى عن الطريق، وتترك المجال في حل المشكلات للإبداع وللسوق، ورأسمالية (دعه يعمل)؟ ثمة توازن حساس في اختبار تفاصيل التنظيرات.. كان بودي أن تُجمع مجمل العوامل المطروحة وتُصاغ في معادلة رياضية نسبية ومرنة، لكن يبدو أن ذلك متعذر بحكم عشوائية الوقائع وسلوك ومشاعر البشر..
|