أبو الطيب المتنبي، أجده حاضراً أمامي في مشاهد كثيرة من حياة أمتنا العربية والإسلامية، هذا الشاعر الذي ما يزداد إلا تألقاً وحضوراً على كر الجديدين، بتلك الحكم والأمثال التي قالها قبل أكثر من ألف سنة، وشاهدي اليوم قوله:
ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام |
أجل، فإن غير القادرين معذورون، فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها.. غير أن ذا القدرة حينما يقصر في واجبه، فإن المتنبي عدّه نقصاً، وهذا صحيح، لاسيما حينما يمتنع عن أداء واجب مطالب وملتزم بالوفاء به، وقد ينفق في غيره الكثير، ونحن لا نطالب إلا في حدود مبدأ الالتزام وأداء الواجب. * في (الوطن) بتاريخ 11 ربيع الآخر 1426هـ، قال الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة، إن أربع دول فقط من ثلاث وأربعين دولة أدّت حصتها.. وهذا التقصير أو النقص، يحول دون تنفيذ مشروعات مجمع الفقه الإسلامي! * والشكوى عينها نسمعها من جامعة الدول العربية، من بعض الدول العربية في عدم الوفاء بما عليها من حق للجامعة، وأنا أسميه حقاً، لأن دولنا العربية دخلت في كيان الجامعة منذ تأسست بالتدريج أعضاء، وقبلت الالتزام بالواجب، وبما عليها من اسهام في ميزانية الجامعة، ومع ذلك، فإن بعضاً يسوّف في الأداء بإحسان ومروءة.! * لعلي وغيري لا نجد تفسيراً لهذا التقصير المتجدد، سواء فيما يتعلق بمجمع الفقه الإسلامي، الذي يذكر معالي أمينه العام أن العشر أو أقل من العشر أدى حصته، أما البقية فهي غائبة، وقد يكون بعض أعضاء هذه الدول لديه ضائقة مالية، غير أن البقية وهي كثر، فلو عددنا منها الدول العربية القادرة لبلغت الخمسين في المئة، فأين هي من كيان خليق بالدعم لينهض بما عليه من واجبات في فقه أمة مسلمة، فقهها عماد لها في تشريعها بعد الكتاب العزيز والسنّة المطهرة؟ * ولا أجد مندوحة من ربط قضية الفقه الإسلامي باللغة العربية، التي تشكو إعراض أهلها عنها، فحياتهم ربما رغبت عنها، لأنها لم تعد وسيلة حياة كغيرها من اللغات الحية في الأرض، فقيل على لسانها:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي وناديت قومي فاحتسبت حياتي رموني بعقم في الشباب وليتني عقمت، فلم أجزع لقول عداتي |
* لعل هاجساً يقول، إن حياة أي لغة من حياة أمتها، فإذا كانت الأمة ناهضة، كانت لغتها كذلك، وإذا كانت الأمة خاملة، فكذلك لغتها.. غير أن العربية باقية بإذن الله، فهي لغة الدين الحنيف، والله يقيّض لها ولو من غير أهلها من أمة الإسلام، من يدعمها ويحييها، كما قرأنا أن كولالمبور تعني باللغة العربية، وتقول إنها لغة المستقبل.. إذاً فالإسلام بأهله ودعاته وأنصاره، تحمي العربية وتحيا وتنتشر في أصقاع الأرض بحول الله وقوته، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
|