لقد مرت على بلادنا فترة من الزمن كانت تعاني فيها من نقص الكفاءات المتخصصة في مختلف المجالات التعليمية والصحية والصناعية والزراعية والثقافية والإعلامية وغيرها، مما هو ثابت وموثَّق عبر مسيرة التطوُّر التي شهدتها المملكة، وقد تمكنت الدولة من سد احتياجاتها من هذه التخصصات من خلال خطط تنموية طموحة، فلجأت إلى الاستعانة بالخبرات من خارج الوطن، في الوقت الذي أخذت تنفِّذ فيه خططاً خمسية بدأت منذ عام 1390هـ، وركزت في هذه الخطط على التعليم، فجعلت منه حقلاً خصباً لإعداد التخصصات وصقل الخبرات، فشهد التعليم في بلادنا نموّاً مضطرداً وقفزة كبيرة في فترة زمنية قصيرة، حتى أصبح التعليم مفخرة للمملكة ومصدر اعتزاز لها؛ حيث مكَّنها من سدِّ احتياجاتها في كثير من التخصصات، وتمكّن أبناء الوطن من إثبات كفاءاتهم وقدراتهم في العمل في مختلف الحقول والميادين، وأصبح المواطن مضرب المثل في الأداء، وحفلت به ميادين التعليم والثقافة والإعلام والطب والتمريض والصناعة والزراعة والهندسة والكيمياء والكمبيوتر والبتروكيماويات والرياضة وميادين العمل الاجتماعي المختلفة، وصار للمملكة اسمها ومكانتها في الخارج، بعد أن أصبحت جامعاتها المنتشرة في أرجائها مصنعاً يزوِّد الوطن بالمتخصصين. كما فتحت الدولة المجال للجميع للتزوُّد من العلوم النافعة، فابتعثت الآلاف من أبنائها ليحصلوا على أعلى الدرجات العلمية من مختلف الجامعات المرموقة في دول العالم المتقدمة وفي جميع المجالات، وأصبح الحاصلون على الدرجات العلمية العالية المتخصصة من المواطنين يحسبون بالآلاف. ولم يتم كلُّ ذلك إلاّ بفضل الله سبحانه ثم بحرص الدولة على بناء هذا الوطن، ليتبوأ مكانته اللائقة به والتي تتناسب مع ما هو عليه من مكانة روحية وما يمثله من رمز شامخ في العالم الإسلامي؛ ولذلك فقد أنفقت الدولة المليارات مما أفاء الله به عليها لكي تعدّ المواطن الكفء وتزوِّده من العلوم والمعارف والخبرات بحيث صار يمثل كفاءة يفخر بها هذا الوطن. وقصة إعداد وصناعة الكفاءات في المملكة هي قصة عظيمة تستحق الوقوف عندها كثيراً؛ لما تمثِّله من تحديات أثبتت نجاحاً منقطع النظير شاركت فيه الدولة بمختلف أجهزتها، وأثبتت مقدرتها على الإنجاز المتميِّز الذي سيظل يُحسب لها على مدى التاريخ، فقد حوَّلت هذا المجتمع من مجتمع النُّدرة والاحتياج، إلى مجتمع الوفرة بل والفائض في العديد من الميادين. وهذا الإنجاز في حدِّ ذاته يتطلَّب من ذوي الكفاءات ألاّ يبخلوا على وطنهم بما أصبحوا عليه من خبرات، وما أصبحوا يمتلكون من إمكانات، وفي نفس الوقت أصبح الواجب يتطلَّب من أجهزة الدولة أن تراجع أسلوبها وأداءها في الاستفادة من ذوي الكفاءات والخبرات؛ حتى تتأكد أنّها قد وضعت الفرد المناسب في الموقع والمكان المناسب، للاستفادة من إمكاناته وخبراته التي أنفقت الدولة الكثير من الوقت والجهد والمال من أجل إعداده وتزويده بها ليساهم في بناء وطنه وخدمته. إنّ عملية الاستفادة من الخبرات والكفاءات في مختلف المواقع، وعلى مختلف المستويات، هي مسؤولية وطنية تسعى الدولة جاهدة نحو تحقيقها، والواجب على كافة الأجهزة أن تسهم فيها بدور نشط وفاعل؛ حتى يستفيد الوطن من هذه الثروة البشرية التي هي أعز ما يملك في مختلف العصور والأزمان. إنّنا متى حرصنا على تحقيق ذلك نكون قد أدَّينا بعضاً من حقِّ الوطن علينا، ويومها لن يشكو أحد من ضعف في أداء، أو من تدنٍ في إنتاج، أو من هجرة للعقول والأدمغة التي صارت هي الشغل الشاغل لدى كثير من شعوب العالم اليوم .. وللحديث بقية. والله الموفق.
|