Friday 22nd July,200511985العددالجمعة 16 ,جمادى الثانية 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "متابعة "

حتى صداقته ب (عبد الناصر) فيها نظر حتى صداقته ب (عبد الناصر) فيها نظر
هيكل.. تاريخ من المواقف المتناقضة.. مدح (فاروق) و(السادات) (ومبارك) ثم هاجمهم

* القاهرة - مكتب الجزيرة - عتمان أنور - علي فراج - محمد العجمي :
يلقبونه بالأستاذ وهو كذلك ولكن في التناقضات وقلب الحقائق والالتفاف على المواقف وبيع الأصدقاء في أقرب فرصة تمكنه من القفز نحو مزيد من الشهرة والسلطة. إنه الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل الذي بدأ حياته محرراً عسكرياً بصيغة (الايجبشيان جازريت)، حيث كانت الحرب العالمية الثانية وكانت القاهرة تعيش مرحلة مخاض طالت لفترة معينة ولكنها جاءت بثورة يوليو 1952 التي غيرت وجه الحياة على ضفاف النيل ولكن هيكل الذي لا يعرف سوى موضع قدمه راح يتملق الملك فاروق، آخر الملوك الذين حكموا مصر، ويكتب في (روز اليوسف) عن عرشه وجلالته وحكمه وفي مجلة (الجيل) عن أخلاق أسرته النبيلة وتمضي الأيام سراعاً ويأتي تنظيم الضباط الأحرار ليغير نظام الحكم في مصر مائة وثمانين درجة ويتحول هيكل معهم كذلك ويصبح المتزلف إلى الملك أقرب صديق حميم إلى الرئيس جمال عبد الناصر في صداقة اشتهرت وملأت الدنيا شرقاً وغرباً وهاجم هيكل الملك فاروق والأسرة العلوية وما جنته على مصر وكيف كان الفساد يستشري في ربوع البلاد ونسى الهيكل أو تناسى ما خطته يداه عن الملك فاروق وتمضي السنون سنّة الله التي خلق الكون عليها ويموت عبد الناصر في العام 1970م، ويأتي نائبه محمد أنور السادات رئيساً جديداً لمصر ويمارس هيكل دوره في تملق الحكام ويحل مع السادات ضد مجموعة 15 مايو الذين انقلب عليهم السادات تحت مزاعم ثورة التصحيح بمساعدة هيكل الذي حاول أن يتقرب أكثر وأكثر من السادات وأن يأخذ وضعه كما كان في السابق ولكن السادات كشفه، بل فضحه على الملأ وانتهى الأمر به في السجن ذلك المكان المظلم الذي كان هيكل سبباً في دفع كثيرين إليه. هل يذكر الأستاذ أم أنه تناسى ما فعله مع عملاق الصحافة المصرية مصطفى أمين وفي العام 1981 يتم اغتيال أنور السادات في حادث المنصة الشهير ويخلفه نائبه محمد حسني مبارك رئيساً جديداً للبلاد ودشن مبارك عهده بإطلاق سراح جميع المسجونين وكان منهم هيكل الذي خرج يبارك الحكم الجديد ويمدحه ويحاول التقرب إليه حتى إنه عندما ذهبت مجموعة المفكرين الذين خرجوا من السجن للحديث مع مبارك بناء على طلبه وكان معهم هيكل راح الجميع يتحدث مع الرئيس الجديد وهو يسمع إليهم بصدر رحب ولكن هيكل يأبى أن يترك الفرصة دونما استفادة فأقدم على إنهاء حديث المثقفين مجاملة للرئيس الجديد حيث نظر هيكل في ساعته وقال للمثقفين: إن وقت الرئيس ثمين بما يعني إنهاء المقابلة وهو الأمر الذي اعترض عليه بعضهم وقالوا لهيكل إذا كان الرئيس نفسه لم يقفل باب الحديث فلماذا تلجأ أنت لذلك ولكن هيكل لا يأخذ في اعتباره إلا من يعطيه الشهرة ويمضي الزمن ويتضح الأمر أن نظام مبارك يسير على خطى يوليو ولكن بدون أشباحها القدامى فينزوي هيكل جانباً متقلباً مرة يمدح مبارك وأخرى يصفه بأنه فاقد للشرعية.. حدث ذلك منذ عدة أسابيع ففي أقل من شهر قال هيكل إن التغير والإصلاح لا بد أن يأتي من السلطة ولا أحد يقول لي هو مفيش غير مبارك بما يعني أنه مصر على أن الرئيس مبارك هو الأصلح لقيادة مصر خلال الفترة المستقبلية ولكن بعدها بأيام يعود هيكل وعلى نفس القناة قناة الجزيرة ليقول إن النظام المصري فاقد للشرعية لأن شرعية أكتوبر انتهت.
وحتى لا يكون الكلام حازماً أو محض افتراء على الرجل استعنا بالأرشيف لنوضح مدى تناقضات هيكل عبر مقالاته التي كتبها في أزمان متعددة ولنبدأ بمقالاته عن الملك فاروق الذي هاجمه بعد ثورة يوليو ليل نهار كتب هيكل عن الملك فاروق في مجلة روز اليوسف في العدد 818 يوم الخميس 22 من صفر سنة 1363 الموافق 17 من فبراير سنة 1944 السنة التاسعة عشرة تحت عنوان (إنه الفاروق... الملك في الصعيد.. الملك يزور مناطق المرض بنفسه ليشرف على ما يجري وليواسي شعبه... هذا هو النبأ العظيم الذي لم يدهش له أحد ولم يعجب له أحد ولكن الناس جميعاً أضاءت عيونهم بنور الأمل والثقة وتقابلت أنظارهم فتبسموا ابتسامة حب وحنان انه الفاروق... انه الفاروق دائماً... فاروق الأمس.. وفاروق اليوم... وفاروق الغد بالأمس عندما اشتدت أزمات التموين ذهب الملك بنفسه ليرأس مجلس الوزراء ليبحث معه مشاكل الشعب وقالوا له: فليجمع مجلس الوزراء في القصر.
فقال لهم: ولماذا لا أذهب إليه أنا! وقالوا له: ولكن التقاليد لم تصطنع أن يذهب الملك إلى المجلس! فأجابهم: وهل اصطنعت التقاليد أن يجوع الشعب؟! وذهب الملك واليوم عندما اشتد المرض على جزء من شعب الملك وعلم الملك أنهم يعيشون في محنة وضر، وعلم الملك أنهم يتعذبون ويتألمون، أرسل لهم المال والزاد واهتم بحالتهم ولكن قلبه لم يطاوعه فقال: سأذهب بنفسي لأراهم ولأعيش معهم لأواسيهم وأشعرهم أنني أتألم لألمهم ووضعوا أيديهم على قلوبهم وقالوا: العدوى...... التعب........... الصحة
وقال الملك: شعبي... وقالوا: عيدك.... عيد ميلادك وقال: أنا أستطيع أن احتفل بعيد ميلادي وشعبي في قنا وأسوان وفي هذه الحالة وأن ذهابي إليهم وزيارتي لهم عندي خير احتفال بالعيد وذهب الملك...
وذهب الملك إلى شعبه الذي هتف له من أعماق قلبه... يعيش فاروق منقذ الصعيد، يعيش فاروق حبيب الفلاح يعيش فاروق نصير الفقراء، زيارتك شفاؤنا يا مولانا، احنا في حلم يا مولانا، هذه ليلة الغد، هذه الزيارة بعثت فينا الحياة، نريد أن نقبّل يدك... رفعت رأسنا وشرفت مقدارنا...
وقال الملك: بل أنا منكم...
وهتفوا له... فاروق... فاروق..... فاروق، أجل إنه الفاروق.
وفي مقال آخر كتب هيكل في يوم الخميس بمجلة روز اليوسف في العدد 830 السنة التاسعة عشرة 18 جمادى الأول سنة 1363 الموافق 11 مايو 1944 هذه هي الذكرى الثامنة لجلوسك يا مولاي على عرش مصر ثماني سنوات وأنت تحمل مسؤولية هذا الوطن وهذا الشعب وكنت فيها نعم الملك الدستوري في ظروف لعلها أدق ما مر بها تاريخ حياتها أو ليس الفاروق هو الذي قال ذات مرة إنني أحب قيادة السفينة أثناء العاصفة ثماني سنوات وأنت تعمل لهذا الشعب وتخلص له وهو يعمل معك ويخلص لك وستظلان معاً إلى الأبد وهذه مصر كلها تحتفل بعيد ملك مصر من أقصاها إلى أقصاها أفراداً وجماعات وأحزاباً وهيئات ولم تجد مصر ما تحيي به هذا العيد سوى الهتاف باسمك والدعاء لك في نادي سعد زغلول طلب الحاضرون إلى ماهر باشا أن يقول لهم شيئاً فقال إن أحسن ما أقوله ليعبر عن كل ما نحس به هو أن أهتف من القلب يعيش جلالة الملك.. ورد الجميع هتافه. وفي احتفال الأحرار قام الأعضاء وراء هيكل باشا يهتفون باسمك ويدعون الله أن يسدد خطاك وفي احتفال الكتلة كان الهتاف لجلالتك يشق عنان السماء بين كل دقيقة وأخرى. لقد علمت مصر كيف تحبك من يوم أن تفتحت عيناك على نور الدنيا فلم تكن وأنت أمير طفل ترك فرصة لتظهر فيها عطفك على بنيها واعتزازك بها إلا أظهرتها وكنت دائماً في كل مكان تشعر بأنك المصري الديمقراطي الأول فكنت في كل مكان خير رمز لمصر وأحسن عنوان لها ولقد أخذ التفكير في مصر كل وقتك وأخذت تعمل وفي عيد ميلادك تركت قصرك وعاصمة ملكك وذهبت إلى الصعيد لتزور جزءاً من شعبك حلت به نكبة المرض وقلت احسن احتفال بالعيد هو أن نرى هؤلاء البؤساء ويروك ومنذ أشهر قابلت الكولونيل بون رئيس جمعية الصليب الأحمر فكانت آخر كلماتك له: لا تدع أحداً يسيء لبي مصر وهكذا أخذت عليك مصر كل تفكيرك لأنك تحبها ومصر يا مولاي تحبك ولقد قال لي ذات مرة أحد كبار الأجانب وهو المستر ايدل رئيس تحرير الاجيشبان جازيت وكان في صحبة جلالتك إلى بورسعيد.
وقال مراسل مجلة لايف: أشاهد ملوكاً ورؤساء كثيرين تستقبلهم شعوبهم لم ير أروع ولا أعظم من استقبال شعب مصر لمليكهم وأذكر أنني سألت السنارتو هيد أحد الشيوخ الأمريكان الذين زاروا مصر منذ عدة أشهر وكان قد تشرف بمقابلة جلالتكم ظهر اليوم نفسه عن رأيه فيكم.. فقال: صدقني يا بني لقد رأيت ملوكاً كثيرين قبل مليككم وقابلت عظماء كثيرين قبل أن أقابله ولكني لم أجد من أحدهم هذا الحب لبلاده الذي يبدو واضحاً خلال حديثه عنها كما هو الحال مع فاروق ولن أنسى أن أحد الضباط الأمريكان رآك يا مولاي في إحدى الحفلات فلم يملك نفسه هتف: فليحفظ الله الملك. وبعدها قال لي هذا الضباط انه لم يكن يتصور انه سيأتي عليه يوم يهتف لأحد الملوك وهو الذي ولد جمهور يا متعصباً وقال لي إنني لم أهتف حتى لروزفلت نفسه ولكن مليككم هذا رجل عظيم.. من يا مولاي؟ هذه ثماني سنوات وأنت وهذا الشعب معاً تتقاسمان السراء والضراء وتسيران في طريق الحياة بأزهارها وأشواكها وستبقيان معاً إلى الأبد لأن هناك رابطاً من الحب يوثق بينكم رابطاً من الحب الخالد محمد حسنين هيكل. أما علاقته مع السادات فتعتبر حكاية مدهشة فمنذ ترؤس السادات مصر وهيكل يسعى إلى صداقته ليكون بجواره كما حدث مع عبد الناصر، فراح يبثه الإعجاب والمدح فقد كتب هيكل مادحاً السادات بعد انتصار أكتوبر 1973 في صحيفة الأهرام في يومي 12، 26 أكتوبر: حققنا القرار بقبول التحدي والقرار هنا مرادف دقيق لمعنى الإرادة، كانت حالة اللا سلم واللا حرب قد طالت بأكثر مما هو لازم لأي شعب يريد أن يحتفظ بحيويته الفضالية ولكن القرار لم يكن سهلاً خصوصاً وأن الملابسات المحيطة بالعمل الوطني في مصر وربما في غيرها من بلاد العالم النامي كله نضع مسؤولية القرار على كتفي رجل واحد أي أنه بالنسبة لأنور السادات فإن القرار كان مصيرياً وفي الوقت نفسه فقد كان عليه أن يتخذه وحده وربما كان من حقه وواجبه أن يسمع وأن يناقش لكنه في النهاية كان مطالباً بأن يكون وحده عقلاً وقلباً وضميراً ثم يصل إلى القرار ويتحمل تاريخياً مسؤولية وأتذكر حواراً مع أنور السادات جرى في مساء يوم الجمعة 21 سبتمبر الماضي في شرفة استراحة برج العرب المطلة على البحر كان جالساً أمامي في ست لبعض الوقت وكان فيما بدا يتأمل منظر غروب الشمس في هذه البقعة الجميلة من شاطئ مصر الغربي لكنه فجأة قطع نظره عن مشهد الطبيعة المهيب ويقول لي: إن القرار بالنسبة لغيري تعامل مع الأفكار والتقديرات والاحتمالات وأما بالنسبة لي فإن القرار تعامل مع الحياة والموت والمسألة لا تتعلق بشخصي فقد عوضت الحياة وواجهت الموت ولكنها تتعلق بألوف من الرجال سوف يأخذون الكلمة مني وفوق ذلك هناك كرامة ومستقبل وحياة أمة في الميزان ولم أشعر أنني أحس بأزمة الاختيار الإنساني كما أحسست بها في تلك اللحظة لكن ذلك كان دوره. كما قال هو أكثر من مرة كان اختياره هو القرار وكان القرار هو التعبير عن الإرادة الوطنية والقومية وربما كان من الإشارات ذات المعاني أن أنور السادات بعد أن استقر رأيه على أنه سوف يقبل أول تعد يقوم به العدو، اختار لما سوف يقوم به اسماً رمزياً لا يخطر بسهولة على البال.
كان الاسم الرمزي الذي اختاره منافسه لما ينوي أن يفعله هو الشرارة وفيما يتعلق بقرار القبول بوقف إطلاق النار فإن صانع القرار المصري كان تصور أمام العوامل التالية:
- إن القوات المصرية المسلحة أثبتت نفسها بأكثر مما قدر أصدقاؤها وأعداؤها على السواء خصوصا في نقطتين بارزتين: النقطة الأولى دقة التخطيط والتنفيذ لعملية العبور التاريخية التي تم بها وسط النار اقتحام قناة السويس واجتياح خط بارليف وقد دخلت هذه العملية بالفعل إلى التاريخ العسكري العالمي كله وسيبقي لها مكانة مرموقة بين ما حدث أو يحدث. النقطة الثانية روح القتال العملية التي حارب بها ضباط مصر وجنودها وفرضوا على الدنيا كلها بما فيه العدو احتراماً جديداً لقيمة الإنسان العربي واستعداده لمجابهة تحدي الحياة وتحدي الموت معاً أن هذا العامل الحق تغييرات عذرية على ما أسميناه اصطلاحاً بأزمة الشرق الأوسط أن صانع القرار المصري وجد أمامه حركة منسقة من القوانين، الأعظم في عصرنا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وقيس معنى التنسيق أن نفترض وجود وحدة في المنطلقات لأن منطلق الولايات المتحدة يختلف عن منطلق الاتحاد السوفيتي أكيداً ويقيناً أي أن التنسيق مع اختلاف المنطلقات هو محصلة نهائية تشد وتجلب وتعارض إرادات ثم هو في النهاية حكم ضرورات تعطي للقوانين الأعظم شيئاً أو لم تعطِ شيئاً شاء غيرنا أو لم يشاؤوا دوراً خاصاً لا يحكم وإن كان يتحكم أعني ألا يملى إرادته على الآخرين من أعلى ولكنه دور لا يستطيع الآخرون أن يتجاهلوه حينما كانوا وكانت درجاتهم على التسلم الدولي وفضلاً عن ذلك فإنه مما يجعل تأثير القوانين الأعظم محسوباً في أزمة الشرق الأوسط.. انهما معاً مصدر السلاح الأساس للطرفين المتحاربين على أرض المنطقة.
ثم تابع صانع القرار المصري بقوة الدولتين الأعظم تمارسا حركتهما لأول مرة في عصر الوفاق على مسرح مجلس الأمن بعد أن تم التوصل بينهما إلى موقف مشترك تبادل كل منهما مع الآخر ما لديه من حقائق ومعلومات ثم تعرف كل منهما على الحقائق فيما يختص بالعلو المحلي الذي يؤيده في الصراع أن صانع القرار المصري تنبه مبكراًَ إلى التطورات المحتملة في الموقف كله واضعاً في اعتباره انه دخل الحرب وفي استراتيجية ليس له أن ينساها ولقد كان الهدف الاستراتيجي المصري المحدد هو كسر السلام الإسرائيلي. كما عبر الرئيس أنور السادات في خطابه أمام مجلس الشعب واللجنة المركزية يوم 16 أكتوبر كسر سلام الأمر الواقع كسر السلام المفروض بالإرهاب الإسرائيلي ومن ذلك الهدف الاستراتيجي ومن انتبه مبكراً إلى التطورات المحتمة فان الرئيس أنور السادات طرح مشروعاً عربياً للسلام في نفس خطابه يوم 16 أكتوبر. ولقد قدم أنور السادات مشروع السلام العربي قبل خمس ساعات من وصول اليكسي كوسينجن رئيس الوزراء السوفيتي إلى القاهرة وبالتالي فان هذا المشروع العربي للسلام كان على المائدة في اجتماعات قصر القبة بالقاهرة ثم كان مشروع السلام العربي على المائدة بعد ذلك حينما اجتمع ثلاثي القمة السوفيتي مع هنري كسينجر في قصر الكرملين بموسكو وكان مشروع السلام المصري أخيراً على المائدة حينما اجتمع مجلس الأمن فجر يوم 21 أكتوبر في مبنى الأمم المتحدة بنيويروك واهم من ذلك فان مشروع السلام المصري كان في عقل وقلب صاحبه المسؤول تاريخيا عن صنع القرار المصري حين دق التليفيون القابع بجواره باستمرار هذه الأيام وقبيل الساعة التاسعة تماماً من مساء يوم الأحد 30 أكتوبر أن السفير السوفيتي في القاهرة فلاديير فينوجورداف يطلب مقابلة عاجلة معه لأن لديه رسالة من ليونيد بريجنيف الذي يجلس الآن مع هنري كيسنجر في موسكو وقال الرئيس السادات في التليفون ابلغوه أنني في انتظاره الآن وفي نصف ساعة كان السفير مع الرئيس يقدم إليه رسالة بريجنيف وكانت فيما سمعت بعد ذلك رسالة مطولة من أجزاء متعددة تفاصيل عن اتصالات القوانين الأعظم وعلى وجه الخصوص عن محادثات موسكو مع كيسنجر، نص مشروع القرار الذي تعتزم القوتان الأعظم تقديمه إلى مجلس الأمن الذي دعا إلى الاجتماع الليلة وينتظر أن تبدأ جلسته بعد ساعة ونصف الساعة، الضمانات التي اتفقت القوتان الأعظم على إحاطة مشروعهما المشترك بها حتى يتم التنفيذ الفوري والكامل لقرار مجلس الأمن وأخيراً وبالتأكيد فإن صانع القرار المصري كان يتمثل في ذهنه بعض المواقف العسكرية الطارئة والمحتملة سواء على الجبهة الشمالية في سوريا أو على الجبهة الجنوبية في مصر وعندما اختلف هيكل مع السادات الأمر الذي تطور إلى دخوله السجن هاجم هيكل السادات بشدة ناعتاً إياه بأوصاف لا تليق برئيس دولة وكان الأحرى ألا تصدر من صحفي يقدم نفسه على أنه نابغة زمانه فيقول عن نشأة السادات وحياته إن حياته في شارع محمد بدر تركته غير قادر على الشعور بالانتماء إلى أي مكان كان يخاف من والده ولم يستطع أن يضيع نفسه إلى آخر يوم يحبه وكان غاضباً على أمه فلم يكن في أعماقه قادراً على احترام عذاب هذه السيدة التعيسة الحظ وقد زادت مقاومته بدون داع حقيقي للون الذي رآه منها.
وفي كتاب خريف الغضب يقول عن السادات كانت للصلات التي أقامها أنور السادات مع كثيرين خلال فترة عمله في المؤتمر الإسلامي ففي تلك الفترة نجده يقوم برعاية الشؤون الخاصة للشيخ المبارك الصباح وهو شخصية بارزة في الأسرة الحاكمة الكويتية وقد حدث قرب نهاية عام 1966 أن وجه الكونجرس الأمريكي دعوة لرئيس مجلس الأمة المصرية أنور السادات لزيارة واشنطن ويبدو أن السادات المح بشكل ما إلى أن بدل السفر الرسمي الذي يتقاضاه كان أقل مما ينبغي فإذا بالشيخ المبارك الصباح يحرر له شيكا بمبلغ 35 ألف دولار ووصل إلى علم جمال عبد الناصر من خلال أحد الأجهزة الرسمية وسأل السادات عنه ثم طلب إليه أن يعيد الشيك فوراً إلى الشيخ المبارك الصباح وتم ذلك فعلاً وأودعت صورة فوتوغرافية من الشيك في ملفات الرئاسة والمخابرات ويقول عن السادات أيضاً لقد كانت المأساة الحقيقية في حياة أنور السادات وموته أنه حاول أن يتحرك كثيراً لكنه لم يتقدم إلى الامامة ولقد كان أصدق تعليق سمعته بعد اغتياله أنه مات حين مات وفي الحقيقة فانه بعد اغتياله مباشرة كان الجو العام في مصر يؤيد هذا القول ويمكن الآن بأثر رجعي أن يقال إن غلطة السادات الكبرى تمثلت في تضيحة بالأهداف الاستراتيجية لمصر من اجل مناورات تكتيكية كان مشكوكاً فيها منذ البداية في قيمتها ويمكن أن يقال وبحق إن حرب أكتوبر كانت الفرصة الكبرى بل كانت فرصة لم تتح لحاكم مصري قبله في تاريخ مصر الحديث بما في ذلك محمد علي وجمال عبد الناصر ولكنه ألقى بكل شيء في الهواء وربما كانت المسؤولية تقع على نوع الحياة التي عاشها أو ربما كانت تقع على نقص حصيلته من التعليم والعلم.
أما حال هيكل مع الرئيس مبارك فهي تدعو إلى العجب فمرة يهاجمه وأخرى يناقضه وقد وضح ذلك تماما في حلقة تليفزيونية أذاعتها قناة الجزيرة يوم 16 يونيو الماضي حيث وضحت التناقضات ففي حين قال هيكل أثناء حديثه عن مصر إن الأوضاع التي وصلنا إليها لم يعد ممكناً أن تستمر لأن الصورة الموجودة صورة بشعة جدا ونحن جميعا نرى جزءاً من تفاصيلها.. يتضح أمامنا أكثر كل يوم وما نراه لا يرضينا ولا يرضي أحداً وبالتالي بدأ يبقى العالم العربي في حاجة جنب المعلومات وجنب شيوع المعلومات وجنب تحفظ القوى وجنب ظهور كل هذه القوى وجنب التشوق إلى معرفة ما هو جارٍ وجنب الاتصال بالعالم، بدت تبقى في حركات نشيطة وفاعلة وإنه ده ما ينفعش.. الكلام ده كله ما ينفعش أبداً وإنه نحن نريد وقفة مختلفة، في هذه اللحظة حصلت مسألة مهمة جدا وهو إنه العالم العربي اللي صورته بقت على النحو اللي كنا بنتكلم عليه عاد هيكل يلف ويدور مرة أخرى ويقول: وأنا هنا الحقيقة عايز أبقى واضح، أمور مصر أنا بأعتقد لا ينبغي أن تناقش بصراحة لكنها ينبغي أن تناقش بالتزام يضع أمامه حد اللياقة لأنه هذه مسائل.. هذه اللحظة لم تعد تحتمل لا انفلات أعصاب ولا أصبحت تحتمل إنه انتظار وتلكأ، إيه اللي حصل بالنسبة للرئيس مبارك؟ بتكلم على مصر في وقت الرئيس مبارك، الرئيس مبارك للإنصاف جاء ولقي في مصر أزمة شرعية، أنا بقول إنه في شرعية قبل ما أتكلم على الدستور، العقد الذي يربطني.. يربط شعباً معيناً على أرض معينة باختلاف الطبقات باختلاف.. تفاوت أوضاع القوى والضعف والغنى والفقر والصحة إلى آخره هو الشرعية، قبول كل المواطنين بعقد اجتماعي لا يساوي بينهم لكنه يعطي كل حد فيهم فرصته في الحياة وفي التعبير عن رأيه إلى آخره، هذا عقد اجتماعي يصوغه شعب وتصوغه شرعية يعبر عنها دستور قبل أي حاجة ثانية، الرئيس مبارك جاء ليلقى في مصر أزمة شرعية وعشان أبقى واضح ومن غير ما حد يخفي أي شيء الشرعية المصرية حصل فيها حاجتان، الحاجة الأولانية هي ضربة 1967، ضربة 1967 في نظام ثوري قام في مصر سنة 1952 وهذا النظام قام بعد سقوط شرعية أسرة محمد علي وشرعية سقوط أسرة محمد علي لا تحتاج إلى من يدلل عليها لأن الشواهد كلها واضحة والتاريخ واضح ولا يبدي حد إنه نسترجع نقعد نقول والله يمكن كان إيه والملكة فريدة كانت مش عارف كانت ست ظريفة والملك فاروق كان.. أنا تكلمت في ده كله وحاولت أدي لكل حد حقه لكن شرعية أسرة محمد علي كانت انتهت وما كانش ممكن تقوم نظام جديد ثوري بمجموعة من ضباط الجيش إلا لأنه شرعية نظام بحاله قد سقطت وبالتالي أصبح ضروريا أن تقوم شرعية جديدة، ويكرر الكلام من جزء آخر بما يشبه الاعتذار عما سبق ويقول الآن نحن أمام ضرورة تأسيس شرعية جديدة تقوم على أساس عقد اجتماعي ملائم ومناسب لما جد سواء داخل البلد أو ما جد في العالم، عايز عقد اجتماعي جديد، عايز كيف يمكن عقد اجتماعي جديد يتأتى عنه دستور جديد؟ أنا بتصور أنه أصبح ضروريا الآن زي ما حصل في كل حتة في الدنيا أنه الرئيس مبارك أهلا يعني يكمل مهمته التاريخية وأنا بتصور انه ممكن قوي يجي لثلاث سنين لست سنين لو كان عايز على أن تكون بجانبه تطلع.. يتعمل مؤتمر وطني تصدر عنه ميثاق عهد جديد لأخذ عقد اجتماعي جديد يصدر عنه فكرة أو الخطوط العريضة أو نصوص عقد اجتماعي جديد، مؤتمر قومي دائم تخرج منه هيئة ممكن قوى نسميها هيئة أمناء الدستور بحيث أنها تبقى موجودة، في الرئيس مبارك موجود في الحكومة وينفذ برامج التنمية وينفذ اللي عاوزين ننفذه، يعني أنا مش شايف أنه هذه أوضاع ممكن تؤدي إلى تنمية وأنا خائف على التنمية ويعني مش عاوز أتكلم على السجل اللي فات لأنه الكلام برضه اللي فات في كلام كثير قوى أتقال، لكن أنا الرئيس مبارك طبعاً أهلاً ويكمل مهمته التاريخية كمسؤول عن مرحلة انتقال من شرعية ثورية.. وعلى فكرة صاحب كلمة الشرعية الثورية ده سنهوري باشا مش جمال العطيفي يعني، فأنا ما عنديش مانع بالعكس برحب قوى لأنه بس ما حدش يقول لي طب إذا ما كنش مبارك يبقي مين؟ ما فيش حاجة اسمها طب أنا يعني ما هو في البشر لهم قدرة احتمال قالوا لنا في العالم كله عشر سنين، الرئيس مبارك بقي له دلوقتي من سنة 1975 نائب رئيس لغاية 1981 ست سنين نائب رئيس وبعدين رئيس أربعة وعشرين سنة، يعني إحنا دلوقتي في السنة الكام؟ الثلاثين أكثر اثنين وثلاثين سنة وبعدين 8 سنين كمان ده كلام مش معقول يعني حرام، حرام له هو حتى، حرام بتكلم حرام صحيا عليه ما يقدرش وظلم للبلد كمان يعني الحقيقة يعني لأنه ها يضطر يفوض سلطات وها يضطر يبقي بعيد وهو فعلاً قاعد بعيد لفترات طويلة ها يضطر يفوض وها يضطر يقعد بعيد وهذا ظلم للبلد حرام وظلم له أولا كإنسان لأنه في.. أنا واحد من الناس والله اللي مدينين له بفضل كبير جدا لأنه على أقل تقدير البلد بشكل أو آخر وبرغم كل.. برغم كل العواصف اللي حصلت يعني أهو، لكن ما حدش يقول لي إذا لم يكن مبارك فمَن؟ ما أنا مش عايز حد مَن ما بقتش.. أصبح عايز واحد فرد مش عايز فرد خلاص، دلوقتي أنا تصوري أنه نمرة واحد أكمل مرحلة الانتقال، نمرة اثنين في مؤتمر قومي دائم أو مؤتمر وطني دائم بيشتغل في إعلان وثيقة عقد اجتماعي جديد، في هيئة لأمناء الدستور بتشتغل على ترتيب دستور جديد، أتمنى قوى عند سن الثمانين مثلا، الرئيس مبارك ربنا يديله الصحة عمره سبعة وسبعين ثمانية وسبعين سنة قريب، أنه عندها يكون لجنة أمناء الدستور.. هو يقول للأمة أنه أدى واجبه وهيكون أدى واجبه فعلا وأنه في والله مؤتمر قومي دائم بيمثل قوى الأمة، في لجنة لأمناء الدستور وبعدين بعد كده في طريقة لحكم.. لجمهورية برلمانية ممكن تقوم يبقي فيها رئيس بيقعد له مدة محددة له مدتين نقدر نتكلم على مستقبل أو على الأقل أنا وغيري والتانيين كل الناس يشاركوا عن طريق المؤتمر الوطني أو المؤتمر القومي، عن طريق أمناء الدستور إذا كان إذا عقد أو أي حاجة ثانية أي فكرة ثانية لكن يبقي في أمة تتصور أنها تستطيع أن تنتقل من ماضي إلى مستقبل على جسر مأمون، على جسر مش على رجل واحد تُعلق به المصائر ويقال لي طب إذا لم يكن هو فمَن؟
من العرض السابق لمواقف محمد حسنين هيكل المتناقضة يتضح أن الأستاذ لم يكن وفياً لأحد سوى عبد الناصر الذي أعطاه سلطته وشهرته وحتى هذه فيها نظر.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved