كثيراً ما أكرر أن الوثائق هي زاد الباحث الذي يجب أن يركن إليه عندما يريد البحث في التاريخ الحديث والمعاصر، لا أن يجعلها المصدر الثاني، كما يفعل كثير من المعنيين بالمجال الأكاديمي. أقول ذلك بعد أن سمعت من أكثر من مصدر أن المصادر المدونة كالكتب والمجلات والصحف هي التي يجب أن يركن ويفزع إليها الباحث لسبر أغوار الماضي؛ ولما كنت غير آبه بهذا التوجه، كنت حريصاً على عدم الركون إلى الكتب؛ لأنها تجتر من بعضها وليس فيها جديد، بل كنت أجد أن الخطأ الواحد فيها يتكرر زمناً، وليس المجال هنا للاستشهاد؛ لهذا جعلت هدفي الاطلاع على الوثائق وفحصها خاصة ما يتعلق بالشأن المحلي. وأجد لزاماً عليَّ أن أشيد بالجهود الجبارة والمثابرة الكبيرة والسعي الدؤوب الذي تطلع به بعض الجهات ومراكز البحث في المملكة العربية السعودية وأخص بذلك دارة الملك عبدالعزيز التي سخرت جزءاً كبيراً من نشاطها في جمع الوثائق وحفظها ثم السعي في تصنيفها وفحصها على أمل إدخالها في الحاسب الآلي ثم إتاحتها بشكل علمي وعملي؛ لهذا أقترح أن تصرف الدارة جهداً مع جهدها في إدخال الوثائق وحوسبتها؛ لأنها بهذا العمل سوف تقدم خدمة تضاف إلى خدماتها الجليلة في خدمة تاريخ بلدنا المجيد، ولي مع الدارة تجربة ممتازة حين فزعت لها ممثلة في سعادة أمينها العام عندما رغبت في معرفة التاريخ الحقيقي لتولي الأمير سلطان على مدينة الرياض، فوجدت عندها ما لم أجده في أي من المصادر المطبوعة على كثرتها، والذي وجدته كان ضمن وثائق الكاظمي المحفوظة لديها؛ لهذا كلي أمل أن تركز الدارة كما قلت على إتمام حوسبة الوثائق وإدخالها في قواعد بيانات سوف تستفيد منها وتفيد، أعان الله سمو رئيس مجلس إدارتها والقائمين عليها. وصف الوثيقتين: تعد هاتان الوثيقتان من محفوظات عابدين؛ فالأولى رقمها عابدين 266-43 أصلية/181 حمراء، وتقع في ورقة واحدة مرسلة من الأمير خالد بن سعود، ومرفق بها عدد (11) وثيقة إحداها باسم السيد/سعيد بن سلطان، سلطان عُمان، وجاءت وثيقة الأمير خالد بطيها، مع عدد من الوثائق الإيضاحية. ووثيقة خالد مرسلة إلى ابني السيد سعيد، ثويني وهلال وهي غير مؤرخة؛ إلاّ أنها لا تعدو أن تكون في حقبة حكم الأمير خالد على نجد وهو عام 1255هـ. أما رسالة السيد سعيد بن سلطان فمرسلة منه إلى أحمد شكري، سر عسكر الحجاز، يذكر فيها عتبه لرسالة الأمير خالد وأنها رسالة ما كان ينتظرها منه، كما أنه يحذر بها من خالد ويعلن سروره نتيجة أسر الإمام فيصل بن تركي، وتاريخها 15 جمادى الاولى 1255هـ. أما الوثيقة الثانية: فجاءت تحت رقم عابدين 270-98 أصلية 259 حمراء، مرسلة من خورشيد باشا، إلى باشمعاون جناب الخديوي، ومؤرخة بـ20 شعبان 1255هـ. ويستفاد من هذه الوثيقة الثانية أن الإمام فيصل حال أسره كان عنده أربع زوجات وأربع بنات، إضافة إلى أخوين من إخوانه هما: مساعد ومحمد، مع ذكر عمر الأول ب15 سنة والثاني ب9 سنوات. أهمية الوثيقتين: تظهر من هاتين الوثيقتين جملة من المعلومات المهمة: أولاها: ذكر اسم ابنين للإمام تركي لم يردا في أي من المصادر التي عُنيت بالأسرة السعودية، فكتاب الأستاذ/ عبدالرحمن الرويشد، المعنون ب:(الجداول الأسرية لسلالات العائلة المالكة السعودية)، والمهم في بابه، لم يذكر أن للإمام تركي ابناً اسمه مساعد أو محمد، بل ذكر غيرهما. ثانيتها: تم التعرف إلى عمر ابني الإمام تركي، مساعد ومحمد. ثالثتها: تم التعرف إلى عدد زوجات الإمام فيصل. رابعتها: تم التعرف إلى عدد بنات الإمام فيصل، وهن أربع بنات، مع أن المذكور في كتاب: (الجداول الأسرية) أن عدد بنات الإمام فيصل 3 بنات فقط. خامستها: خطأ الأمير خالد بن سعود في ذكر اسم هلال ابن سعيد بن سلطان، على اعتبار أنه أحد حاكمي مسقط في ذلك الوقت، مع أن الصحيح أن هلالاً في هذا الوقت كان مبعداً عن الحكم نتيجة لغضب والده عليه، وقد جاء أيضاً هذا ضمن خطاب السيد سعيد بن سلطان المرسل إلى أحمد شكري حيث ذكر: (وصلنا هذا التعريف من الأولاد محمد وثويني) ولم يذكر هلالاً إذ إن الموجود في مسقط من أبنائه هما محمد وثويني، كما أفادت الرسالة أن السيد سعيد كان في زنجبار عندما أرسل هذه الوثيقة لأحمد شكري. الخاتمة: يظهر من خلال هاتين الوثيقتين مدى الأهمية التي تقدمها الوثائق لتاريخنا المحلي من ذكر للأحداث، وإيراد أسماء لم ترد في المصادر أو على شفاه الرواة المعنيين بالشأن المحلي للمملكة العربية السعودية.. وبهذا نخلص إلى أن هذه الوثيقة تقدم معلومة مهمة في معرفة أبناء الإمام تركي بن عبدالله. إضافة إلى عدد بنات الإمام فيصل بن تركي. رحم الله تعالى سلف هذه الأمة وخلفها وأسبغ على قادة هذه البلاد لباس الصحة والعفاية. ودمتم بخير.
|