Tuesday 9th August,200512003العددالثلاثاء 4 ,رجب 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الأزمنةالأزمنة
الملك الإنسان ولمحة من ذكريات
عبدالله بن إدريس

إذا كان فقيد الأمة العربية والإسلامية فهد بن عبدالعزيز - عليه رحمة الله - قد عرف بالجد والحزم الصارم.. فيما تقتضيه أمور قيادة الدولة في غير عنف ولا صلف ولا شطط.. فإنه في مقابل هذه الصفة عُرفت عنه دماثة الخلق.. ولين الجانب.. في غير ضعف ولا تفريط.. بل إنه يمتاز بصفة خلقية.. لعلها تكون رديفة للصفتين الآنفتي الذكر. وهي حبه لأحاديث المؤانسة.. ذات الطابع المرح.. المتزن.. لعله يرى في ذلك رفعاً للكلفة الزائدة، وتصنُّع الوقار من بعض المدعوين لحضور جلسته الأسبوعية بعد العشاء.. لذلك فهو يفتح باب النقاش والتداول حول بعض المؤتلف والمختلف! مما يرسم ابتسامة تُغيّر يُبوسة الرسميات.. إلى مداخلات مرحة، حول بعض الظواهر الاجتماعية ومنها - على سبيل المثال -
1- النكد الذي يعانيه بعض أصحاب الزوجات العديدة.. وإظهارهم غير ما يبطنون ستراً لمعاناتهم ومتاعبهم.. مع رضا هذي وغضب تلك.
في قصره القديم الذي كان يسكنه قبل قصر اليمامة.. وكانت المراسم الملكية تدعونا إلى جلسته الأسبوعية مساء الأحد من كل أسبوع.. للسلام عليه ثم تناول العشاء على مائدته.
في إحدى هذه الليالي بذلك القصر.. أدار الحديث - رحمه الله - حول هذا الموضوع.. وكان حظي السيئ أو الحسن - لا أدري - أن يدهمني بهذا السؤال (كم عندك من زوجة يا أخ عبدالله؟) فرددت باختصار.. (أنا موحد)! فرد عليّ باسما (أجل حنا مشركين ياللي عندنا أكثر من زوجة؟) وبالطبع فإن مقتضى المداعبة جعلني أقول ذلك وإلا فإن كلمتي لا تعني توحيد الإله وإنما توحيد الزوجة!
وقلت لعل سبب نفوري من التعدد في الزوجات ما حكاه ذلك الأعرابي من تجربته المُرَّة المضحكة (تزوجت اثنتين (...) بما يشقى به زوج اثنتين).. الخ
قال - رحمه الله - هذا بجانبك (فلان) عنده أربع زوجات.. وش تقول فيه؟ قلت: والنعم. وأرجو له الحياة السعيدة، ولست رقيباً على أحد.
في النهاية قال وهو يبتسم (أحسن لك يا أخ عبدالله أن تعترف بأنك جبان مع زوجتك وتخاف منها..!) قلت أنا لا أدعي الشجاعة المؤذية لزوجتي.. أما الخوف في هذا الجانب.. فهو لا يعيبني بل أعتز به. فهذا مثال مما تزخر به مجالسه - رحمه الله - من سماحة ومؤانسة.
2- طلب مني الحرس الوطني أن أسهم بقصيدة في حفل افتتاح (مستشفى الملك فهد) يوم 19 شعبان 1403هـ على شرف خادم الحرمين الشريفين وبحضور سمو ولي العهد ورئيس الحرس الوطني.
لبيت الدعوة وألقيت القصيدة.. وحين انتهيت منها رفع الملك يده رمز التقدير والاستحسان.. وبالمصادفة رأيت الشاعر غازي القصيبي.. وكان قريباً من صدر الحفل.. رأيته رافعاً (إبهامه) وقابضاً كفه.. وهو يشير إليّ.. في لحظة خروجنا من الحفل التفت إليّ الملك فهد قائلاً (ما شاء الله يا عبدالله مازلت شباب) فرددت عليه مداعباً (وكذلك يفعلون) قَصَدتُ أنه أكثر شباباً ونضارة مع أنه أسن مني.. كما هو أكبر قدراً ومقاماً فابتسم - رحمه الله تعالى -.
3- عندما عزمت على السفر إلى القاهرة لطبع كتابي الأول (شعراء نجد المعاصرون) عام 1380هـ طلبت من الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن وكيل وزارة المعارف - حينذاك - أن يأذن لي بإجازة شهر لهذا الغرض - رفض الموافقة إلا بعد أن أستأذن من سمو وزير المعارف الأمير فهد.. فدخلت عليه في مكتبه وعرضت عليه الموضوع، فسألني هل ستؤلف الكتاب عن الشعراء النبط أو أصحاب الشعر العربي الفصيح؟ قلت طبعاً عن شعراء الفصحى.. قال لكن هؤلاء عددهم محدود.. هم فلان وفلان.. وعد ما يقارب سبعة أسماء.. قلت أضف إليهم مثليهم أو أكثر.. وأرجو أن يكون الكتاب وشعراؤه ومؤلفه مفاجأة تسركم في هذا الجانب - بإذن الله.
جاءت كلمة الموافقة (أرجو لك التوفيق في خدمة دينك ووطنك).
كان فقيدنا الغالي صاحب ثقافة شمولية.. وفي عهده ازدهرت الثقافة في طول البلاد وعرضها.. وتطور الأدب والشعر.. بقدر لم يحدث مثله في سالف العصور.. وما ذلك إلا لفعالية التعليم الشمولي الذي هو أول من خاض غماره.. ووصل الحرص على نشره وإشاعته في كل بقعة من بقاع الوطن إلى أن أصبحت المملكة تفتتح ما معدله (3) مدارس كل يوم.
رحم الله خادم الحرمين السلف.. وبارك ووفق خادم الحرمين الخلف.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved