Tuesday 9th August,200512003العددالثلاثاء 4 ,رجب 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

ما جاءت بتقبيل أُنوف بل بقضع سيوفما جاءت بتقبيل أُنوف بل بقضع سيوف
محمد أبو حمراء

الذي يُلقي نظرة على حدود المملكة العربية السعودية، سيرى أنّها من بحر إلى بحر بعيدين؛ وأنّها من حدود الشام إلى حدود اليمن؛ أي أنّ هذه البلاد الكبيرة ما توحَّدت بشيء من الرفاه أو المكر أو الخداع؛ وإنّما بدماء رجال صدقوا الله ما عاهدوا عليه، وقوفاً مع ولي أمرهم الملك المؤسِّس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل؛ رحمه ورحمهم الله؛ والدماء التي أراقها التَّوحيد للمملكة لم تكن قليلة ولا سهلة ولا بخسة الثَّمن؛ ولم يكن أهلها مرتزقة أو طوابير إعلام؛ ولم يكونوا من الذين يهرفون بما لا يعرفون؛ بل هم من جسد الوطن ومن مهجة وروح البلاد في أيّة بقعة منه؛ وقد مضى أولئك إلى سبيلهم وأعطوا الأمانة لأبناء بررة؛ وهم زينة أرضهم وحماية دينهم وشرفهم وعرضهم؛ كان الواحد منهم يدخل إلى مجلس الملك عبد العزيز ويقول ويغلظ في القول وكأنّه يتحدّث إلى واحد مثله من الناس، لا إلى حاكم قويٍّ وداهية متمرّس؛ لكن كلّ ذلك من لسانه لا من قلبه؛ لأنّهم يحتفظون بحبهم لقائدهم الذي عدَل فيهم وما بدّل غيرهم بهم؛ وكان مجتمع الملك عبد العزيز مجتمعاً متناسقاً؛ أي أنّ البادية والقرويين يعرفون أقدار بعضهم وساعة التحامهم في حبِّ الوطن؛ ومن هنا نجحوا في توحيد أُمّة كاملة.
وقد رُوي أنّ رجلاً تناول الملك عبد العزيز مع رجال آخرين قد امتعضوا من تقسيم ذبائح للجنود يومها؛ فقالوا أيعطي السمان من الضأن لبني فلان ويتركنا ونحن بنو فلان الذين نمتاز بكذا وكذا؟ فقام الرجل بقول مثل قولهم وهو جالس معهم؛ فما كان منهم إلاّ أن نهروه بصوت واحد؛ قائلين بلهجتهم المحلية: اقطع واخسأ لا تسبّ الإمام. اشتكى الرجل جفاءهم للملك؛ فقال أحد الجلساء على مسمع من الملك: يا فلان؛ هؤلاء يسبُّون من حناجرهم لا من قلوبهم؛ وأنت تسبُّ من حنجرتك وقلبك؛ فلا تلمهم حتى لو ضربوك؛ بل أحمد ربك أن لم تُضرب.
هنا الفرق في الثقة بين الناس وبين ولي الأمر؛ وفعلاً قد عوَّد المؤسِّس - رحمه الله - أحبابه من جنود وغيرهم على التواضع، بل كان يتركهم يتمادون في الحديث العلني الذي به كثير من العشم، فيضحك من الجرأة التي هي من طبيعة أخلاق الصحراء المخلصة؛ وكان بعد ذلك يهدئ من روع المتحدث ويشرح له بشيء من الإيجاز ليقنعه بالرأي الصواب. هذه هي الشفافية في الحديث بين صانع القرار والمتلقِّي له؛ لذلك تجد أهل هذه البلاد يدعون علناً أمام المؤسِّس - رحمه الله - بقولهم: قل آمين يا عبد العزيز؛ الله يرزقك البطانة الصالحة. ثم يقول آمين وهو يبتسم.
وأحياناً يخرج أحد المراجعين للملك غاضباً وهو ينفض عباءته من الغضب ويقول كلاماً قد يُفهم وقد لا يُفهم؛ فيرسل الملك خلفه أحد (الأخويا) ليردَّه إلى الملك ثم يرضى؛ والرضا عندهم هو أن يسود العدل الذي جاءوا ينشدونه كشكوى ضدّ ظالم أو معتدٍ على مزرعة أو غير ذلك؛ أي مشاكل بسيطة جداً ومع ذلك لا يقنعون إلاّ بالوقوف أمام الملك مقابلة.
انتقل هذا العُرف الإداري والقضائي من مجلس المؤسِّس إلى مجلس الحاكم للرياض؛ فلذا تجد مجلس الأمير سلمان بن عبد العزيز يغصُّ بالمراجعين الذين يرتدون العباءات العربية المختلفة الألوان؛ وترى أحدهم يرفع يده أمام الأمير شارحاً له وضعه وهو يردِّد (يا ولد عبد العزيز)، ونفس الأسلوب الذي كان المؤسِّس يستعمله يكون أسلوب الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض، وهذا ما أكسبه الثقة والمحبة لدى السعوديين؛ حتى أنّ المقترح على صاحبه لطلب حلِّ مشكلته سريعاً ينصحه بأن يتَّجه للأمير سلمان أمير منطقة الرياض. وفعلاً إذا أردت أن تعرف المواطن السعودي وطريقة تعامله مع الحكّام هنا، فاتّجه لمجلس الأمير سلمان بن عبد العزيز فوراً؛ وسترى نماذج مختلفة وطرقاً مبتدعة في التعبير الذي قد يصل أحياناً إلى الشد والقوة بين الأمير والمراجع؛ لكن يجب أن تعرف (إذا كنت ممن لا يعرف) أنّ أبناء هذا البلد يقولون لحكّامهم الشيء الكثير الذي يجيء في لحظة غضب، بيْد أنّ المبهج في الأمر أنّ تسجيل المواقف بين الطرفين معدوم تماماً؛ بسبب بسيط جداً وهو أنّ المواطن يثق في عدالة الأمير، وأنّ الأمير يثق في ولاء ومحبّة المواطن له.
تلك الميزات من البساطة والمحبّة بين الحاكم والمحكوم ما جاءت بتقبيل أُنوف، بل جاءت بدماء رجال وقضع سيوف؛ فلا نريد أن نجد بيننا من يحاولون أن يزعزعوا الثقة في الطرفين؛ الحاكم والمحكوم؛ لأنّ الكل جندٌ للوطن وللدِّين وللحقِّ المبين مهما حصل من الشدِّ والجذب.
فهل يعي جيل الشاشات الناعقة والناهقة (عفواً) ما يُحاك لهم من تضييع للدِّين وللكرامة وللحياة معا؟ انتبهوا واستوعبوا التاريخ؛ فوالله لن نجد خيراً من ولاة أمرنا الذين يسعون جاهدين للإصلاح والعدالة الاجتماعية التي قلَّ أن تجد مثلها في غيرنا؛ ولا يستفزنّكم شيطان يزبد بحديث الحقد على أُمّة محسودة في شعبها أولاً؛ وفي حكّامها ثانياً، الذين هم أحرص على الدِّين والوطن ولا ينامون على مظلمة واضحة لأحد ؛؛؛؛؛ والله المستعان.

فاكس 2372911

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved