الحسن والحسين توأمان سودانيان ولدا متلاصقين وأثبتت التقارير الأولية استحالة فصلهما عن بعضهما البعض دون أن يضحى بأحدهما من أجل حياة الآخر. كانت هناك بارقة أمل في أحد المستشفيات الأوروبية ولكن تكلفة إجراء العملية تكلف الكثير من المال الذي لا يستطيع الوالدان تدبر أمره. أرسل الأب طلباً خاصاً إلى الملك فهد لمساعدته في الأمر.. لم يطل الوقت على الوالدين قبل أن تأتيهما البشرى بقبول الملك فهد تحمل نفقات العملية والتكاليف الأخرى. جلس الشابان يتحدثان أمام كاميرا قناة العربية ويتذكران لقاءهما بالملك فهد وهما طفلان لا يدركان ما كان يدور حولهما، في الوقت الذي تحدث فيه والدهما بكل وفاء وصدق عن تلك الوقفة الإنسانية، قبل أكثر من 14 عاماً، التي أنقذت، بمشيئة الله وفضله، حيات طفليه من الهلاك. موقف إنساني مؤثر نجحت قناة العربية في توثيقه، في الوقت الذي أخفيت فيها عشرات الآلاف من المواقف الإنسانية التي حرص الملك فهد وأبناؤه على إخفائها عن عيون الإعلام بل وعن عيون أقرب الناس منهم. حادثة الحسن والحسين تكررت كثيراً مع أطفال ونساء ورجال كانوا يعانون من أمراض مستعصية يستدعي بعضها نقل أعضاء من متبرعين، والبعض الآخر يستدعي علاجاً مكثفاً في مستشفيات متخصصة عالمية تكلف الكثير من المال والمتابعة الإدارية. كان الملك فهد تواقاً لتقديم المعونة لهؤلاء المرضى فأصبحت هناك مستشفيات متخصصة في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية على علاقة مباشرة مع المرضى الذين يوفدهم الملك فهد على نفقته الخاصة. أتذكر جيداً عندما تعرض شيخ جليل لمرض استدعى سفره لتلقي العلاج في إحدى الدول الأوروبية، ثم تعرض لأزمة قلبية حادة أثرت على خلاياه الدماغية. حاول مرافقوه أن يعيدوه إلى المملكة، بعد تدهور حالته الصحية واستحالة علاجه، ولكن شركات الخطوط الجوية رفضت نقله بسبب وضعه الصحي الذي لم يكن يسمح له بركوب الطائرات. وأصر المستشفى على وجوب نقله بطائرة طبية مع فريق طبي متكامل، لم يكن الأمر ممكناً بالنسبة لهم، فاستعانوا بالله وبعثوا ببرقية إلى الملك فهد الذي أصدر أمره خلال 48 ساعة بتوفير طائرة طبية خاصة مع طاقم طبي لنقل المريض ومرافقيه من تلك الدولة الأوروبية إلى السعودية، عندما سألت أحد مرافقي الشيخ إن كان يحتفظ ببعض العلاقات المميزة في ديوان الملك، فأجاببالنفي، وكنت على يقين بذلك لكنني سألت. بعد حرب الخليج وتحرير الكويت، زحفت مجموعات من المدنيين العراقيين نحو السعودية هرباً من بطش النظام العراقي فأمر الملك فهد بتشييد مدينة مصغرة لإيوائهم وحمايتهم حتى يتمكنوا من العودة بسلام إلى العراق أو يتم نقلهم عن طريق الأمم المتحدة. رفض العراقيون العودة إلى العراق أو الذهاب إلى دولة أخرى بعد أن وضعت الحرب أوزارها واستقرت الأمور، ومراعاة لظروفهم الإنسانية أمر الملك فهد ببقائهم مع توفير ميزانيات خاصة لهؤلاء اللاجئين لبناء عيادات طبية ومدارس ولتوفير جميع احتياجاتهم المعيشية التي استمرت لأكثر من عشر سنوات. للملك فهد جهود لا تنسى في البوسنة والهرسك فقد قاتل كثيراً من أجل حمايتهم، وهم الشعب الأعزل من السلاح، ودعم الجهود الدولية التي أدت إلى إصدار التشريعات الدولية لحماية البوسنة والهرسك من الهجمات الصربية، ثم أتم جهوده الإنسانية بإعادة تأهيل وبناء البوسنة والهرسك. أنشأ مدينة متكاملة للمسلمين هناك وأنشأ المدارس والمراكز الصحية والمساجد.. كل تلك الجهود نفذت دون ضجيج الإعلام وريبورتاجات الدعاية. فالهدف الإنساني كان أسمى من أن يستغل في الأمور الدنيوية. مواقف إنسانية كثيرة تشهد بها الجمعيات الخيرية والمراكز النفعية التطوعية تأتي في مقدمتها حملات التبرعات الموجهة للشعوب الإسلامية المحتاجة والشعوب المنكوبة في إندونيسيا وباكستان وأفغانستان وإيران والهند وغيرها من الدول. مليارات الريالات التي كانت توجه لأعمال الخير والأعمال الإنسانية في أرجاء المعمورة بصمت وهدوء، نسأل الله الكريم أن يتقبلها تقبلاً حسناًَ وأن يجعلها في موازين أعماله.. رحم الله الملك فهد رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
فضل بن سعد البوعينين ص. ب 1913 - الجبيل 31951 |