ثمة لغة غير أبجدية يكرسها أصحابها - عنوة - في نقاط ظلامية من فكرهم تقودهم في معظم الأحيان إلى صور من الظن.. كثيرها إثم!.. تمزق ما تنسخه الحقائق على أرض الواقع فتحيلها ضباباً, مخيفة الوجه المشرق منها ومفرطة في عكس ذلك.. هؤلاء هم من ينسون العلاقة الوثيقة بين جغرافيات متوترة بعيدة - كما قد تبدو لهم - وبين ما يدور ربما داخل بيوتهم وفي أدق أدق تفاصيل حياتهم.. لقد طالب بعض هؤلاء وقت الملك فهد -رحمه الله- ببعض الأمور متجاوزين في مطالبهم حقائق غيبوها - عمداً - أو غابت - دون قصد منهم-.. ضاربين بالوضع الإقليمي والعالمي المتأزم عرض الحائط.. فطالبوا مثلاً برفع معدلات الدخل الشهري لموظفي الحكومة. والقضاء على البطالة.. والنهوض بالمرافق في بعض المناطق.. وقائمة لا تنتهي من رغبات تحكمها أنانية من طرف دون آخر.. وتجاهلوا حقيقة ما تمر به المملكة وما حولها من أحداث.. ففي الداخل كان لزاما ًعلى الدولة تأمين المجتمع بالكامل ومنع أية مظاهر لتسرب بعض الجماعات المتطرفة - وما أكثرها حولنا - قد تودي بحياة أيٍّ منا دونما تفرقة أو تمييز، اللهم إلا رغبة فقط في التدمير والقتل وتعطيل مسيرة البناء التي تبناها المغفور له بإذن الله الملك فهد وأيده فيها ولي عهده الأمين. لقد شهدت الفترة الزمنية التي حكم فيها المغفور له بإذن الله خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، والتي قاربت على ربع قرن من الزمان، فترات من الحراك السياسي كان الثابت فيها هو -رحمه الله- تشكيلة من الأحداث السياسية التي كان لها ثقل في كوكبنا: حرب إيران، حرب أفغانستان، انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة بين القطبين، حرب تحرير الكويت، وكان -رحمه الله - صاحب القرار المصيري في عملية التحرير.. وما تسببت فيه من أضرار أفعال (بن لادن) وجماعته نتيجة احداث 11 سبتمبر ومن ثم سقوط العراق.. وزامن كل ذلك رجوع في أسعار النفط وارتفاع في الدين العام.. مما تطلب إعادة تصحيح الميزانية بالتزامن مع مشاريع تنموية. وعندما تمر بعض الفترات الحرجة ويرتفع سعر البترول، يبدأ أصحاب اللغة سالفة الذكر بالمطالبة بزيادة الرواتب وبالاحتجاج.. لماذا تتبرعون للقضية الفلسطينية ونحن أقرب بالمعروف؟ لماذا تمنح دول الجوار معونات مادية حيث أبناء العم في قائمة الأولوية قبل أولاد العم؟.. وجميعها - والتعميم هنا ليس خطأ - احتجاجات خالية من الوعي السياسي لملك أراده الله ذي ثقل ديني وسياسي واقتصادي، فقد كان لزاماً عليه رحمه الله أن يحقق التوازن فيما بينها. أضف إلى ذلك وعيه إلى مستقبل ناضج، أفضل من حاضر قد لا ينضج، فارتفاع أسعار النفط إذا ما تم ربطه -بعد التخلص من أعباء سابقه ممثلة في الديون التي تراكمت بناء على التبعات السابق ذكرها - بتنويع في مصادر الاستثمار لحفظ مستويات المعيشة، أفضل بكثير من ارتباط أسعار النفط بزيادة معدلات الدخل الشهري للمواطن لتحسين مؤقت لمستويات المعيشة، التحسين المؤقت يعيشه السعودي الراهن فقط، فهل يعني ذلك أن لا عزاء للأجيال القادمة؟ هل نقول لهم: اذهبوا إلى الجحيم؟ كان من أهمية وعيه السياسي رحمه الله، إن وظف السنين الذهبية الأخيرة في استثمارات داخلية وخارجية من المقرر لها أن تكون شرياناً اقتصادياً يضاف إلى الرئة النفطية، تنويعات من مصادر الدخل يتنفس منها المستقبليون في حالة عودة انخفاض أسعار النفط. فالعبرة ليست في اليوم الذي نعيشه، العبرة في السعودية التي نبنيها للغد، لقد سبق بفكره رحمه الله عصره بمراحل، وحلم ببناء مستقبل دونما تجاهل أو تناسي لليوم، بنى دولة تحتل اليوم مكانة متقدمة في مصاف الدول العالمية، ما كانت لتكون وسط كل هذه العواصف والأزمات لولا حكمة رجالها وقائدها فهد رحمه الله، إضافة لولي عهده آنذاك الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله-، الذي كان مثالاً واضحاً وناصعاً من الوفاء قل وندر وجوده هذه الأيام حيث كان دائماً ما يردد: أخي، مليكي، ومولاي،.. وبشيم الرجال مثَّل وبكل صدق وأمانة أخاه رحمه الله أثناء فترات مرضه في السنين الأخيرة. مليكنا عبدالله، نريدك حباً، وإيماناً، ووطناً، نسكنك وتسكننا، فابنِ ما شئت من حاضر ومستقبل. وجميعُنا جنودك وكلنا فداء لهذا الوطن. مليكنا عبدالله.. إن كلماتك الصادقة والمؤثرة التي وجهتها لكافة أفراد الشعب السعودي تدعونا فيها للوقوف معكم ومساندتكم استشعرنا بخروجها من القلب فوصلت إلى القلب دون حاجز أو حاجب ولن أكون مبالغاً إذا ما قلت أن كثير من أبناء هذا الوطن بكى بانتهائكم من القائها تأثراً وحماساً ورغبة صادقة في رفع راية هذا الوطن خفاقة عالية كما هي عليه دوماً.. مليكنا عبدالله.. سر على بركة الله ملكا ًكريماً حكيماً ورسالتنا هي.. وفقك الله وكان الله في عونكم!
|