Tuesday 9th August,200512003العددالثلاثاء 4 ,رجب 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "متابعة "

مشاعر قصر الحكم في نجران:مشاعر قصر الحكم في نجران:
حزن وحشود وبيعة.. مواقف وطنية ودروس في السياسة الاجتماعية السعودية

* اللواء الركن - محمد بن فيصل أبوساق:
تزامن وتساوى المشهد السعودي الكبير لحظة تلقي خبر وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز يرحمه الله، فما رآه العالم من مناظر صادقة في جامع الإمام تركي بن عبدالله بالعاصمة الرياض حيث كانت الوفاة, ثم في الطريق إلى مقبرة العود وفي المقبرة, ثم في قصر الحكم حيث كانت شاشات التلفزيونات العالمية تنقل الحدث مباشرا, وتواصل بوضوح وبمنتهى الصدق والشفافية, كانت تعبيرا ومشاعر فياضة بالحزن والفراق تبرهنها الحشود والجموع الغفيرة من أبناء المجتمع السعودي ومن يقيم بينهم من الأخيار.
وقد كان الإعلام العالمي يتفاعل بشكل غير مسبوق في مثل تلك اللحظات الحزينة بتغطيات حرة ومباشرة فيها بلاغة وفيها دقة وعمق في تعبير الجماهير التلقائي الذي يعكس مكانة الراحل الكبير محليا وإقليميا وعالميا. وعبر بث مباشر وبلغات وأساليب متعددة تواصلت رسالة مباشرة واقعية صادقة وقوية لا تجاريها أي رسالة مشابهة يمكن لأي جهة إعلامية تخطيطها وتنفيذها.
كان المجتمع السعودي بتلقائيته وصدقه هو من شكل ذلك الموقف الإنساني الكبير يستمد عزيمته وزخمه من المكانة السامية للراحل الكبير وللأسرة المالكة الكريمة.
فقد شاهد العالم بعيون صافية واستمع بآذان صاغية إلى مكانة الأسرة الحاكمة من الشعب في هذا الوقت الحزين الذي يتخلله توديع لزعيم عظيم وتنصيب لزعيم عظيم بمنتهى الإيمان والإتقان والتلقائية.. فالأسرة الحاكمة السعودية تعتبر بحق وبصدق بمثابة (مركز الثقل) في ضمير هذا المجتمع المخلص المتلاحم.
وكان يتزامن مع أداء الدولة الحكيم رد فعل وطني كان بمثابة رسالة سعودية جماهيرية لا تجاريها أو تقف في طريقها أي رسالة أخرى. رسالة الشعب السعودي للعزاء وللمبايعة وللولاء والتلاحم جاءت منسابة تملأ الفضاء الإعلامي عبر أثير الكرة الأرضية لتصل إلى أصقاع الدنيا صورة وصوتا وتحريرا وعلى شكل هجوم كاسح متواصل في كل شبر من أرض المملكة للسلام والولاء والبيعة.
حملة تلقائية مكثفة وشاملة للروح الوطنية العربية السعودية لم يخططها أحد أو يقف خلفها أحد غير ضمير هذا الشعب الأبي لتعريف العالم حقا بفكر وتركيبة وأخلاق ونظام وبيئة المجتمع السعودي.
فما شاهده العالم في الرياض وفي قصر الحكم بالرياض من حشود وتوافد للجماهير الغفيرة من كل شرائح المجتمع ومن كل الأعمار للعزاء والمؤازرة وإعلان البيعة كان مثله يحدث تماماً في كل إمارة منطقة وفي كل محافظة ومركز في شتى أرجاء المملكة وبشكل مسيرات جماعية لا تنقطع، فقد خرج الناس عامة وبادروا من تلقاء أنفسهم بما يعكس ما في قناعاتهم من حب وولاء ووفاء للأسرة المالكة.
ولم يقتصر ذلك على الجموع التي تواصلت لإعلان عزائها وتأكيد بيعتها بل إن التواصل الشعبي قد استمر عبر كل الوسائل المتاحة بنفس الروح الخلاقة. فالناس يبادرون من أنفسهم بالاتصالات ليل نهار على الإذاعات المحلية والأجنبية وعلى محطات التلفزيون يسمعون العالم أصواتهم ويقدمون للأسرة المالكة تعازيهم ويعلنون لخادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز مبايعتهم وولاءهم ووطنيتهم، بل إن من نبل وسمو الخلق السعودي أن تبادل أبناءالمجتمع كثيراً من رسائل التعزية أيضاً عبر الهاتف الجوال كتعبير آخر عن لحمة هذا المجتمع ووحدة فكره وانتمائه في هذه المناسبة الحزينة، ثم إن الصحافة السعودية المطبوعة قد شهدت تبويباً غير مسبوق في تحويل كافة صفحاتها بالرأي والخاطرة والمقالة والحوار والإعلان لتغطية هذا الحدث بين تعازٍ ومبايعات. وكذلك محطات التلفزيون التي لم يسعفها البث المتواصل على مدار الساعة لوصف ما يحدث ونقل مشاعر كل من يرغب الاتصال من المواطنين والمثقفين.
وحيث توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للتسهيل على المواطنين وتوجيهه يحفظه الله لأمراء المناطق والمحافظين بتلقي التعازي والبيعة في المناطق والمحافظات فقد تم ذلك بالسمع والطاعة لولي الأمر رغم ما في نفوس الكثير من شعور صادق برغباتهم في السفر والوصول شخصيا لتقديم التعازي وإعلان البيعة بصفة مباشرة في الرياض أو حيث يكون ولي الأمر.
وحيث صادف الحدث الأليم وأنا في منطقة نجران بجنوب المملكة فقد عشت الساعات الأولى لتلقي الخبر الحزين وما تبعه في أيام العزاء وشعرت كيف خيم الحزن الشديد على أهالي نجران في كافة أطرافها.
فما كان في قصر الحكم بالرياض من مشاعر وتواجد يعكس صادق المشاعر السعودية كان أيضا في قصر الإمارة بنجران مثله مثل كل أجزاء بلادنا الغالية. وقف صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن سعود بن عبدالعزيز أمير منطقة نجران وسط جموع غفيرة تتزاحم للعزاء والبيعة.
وما إن يصل الشخص أمام سموه إلا وتسمع صوتا جليا صادقا مرفوعا بقول ما في النفس أمام سمو أمير المنطقة، فها هي الجموع تتدافع لتعزية الأسرة المالكة وتعزية أنفسنا والشعب السعودي في وفاة الملك فهد بن عبدالعزيز يرحمه الله.
ففي قصر الإمارة بنجران تسمع أصوات الرجال الصادقين الأوفياء مرفوعاً معلنين بيعتهم وولاءهم وخالص محبتهم للملك عبدالله بن عبدالعزيز ولسمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز وللأسرة المالكة تجديدا وتوثيقا للعهد الذي قطعوه على أنفسهم والتزموا به جيلا بعد جيل منذ عهد الملك الموحد عبدالعزيز بن عبدالرحمن رحمه الله.
وهكذا ما أن تخرج أفواج الرجال بعد بيعتها لممثل خادم الحرمين الشريفين في نجران لتتيح لأفواج القادمين الفرص لتقديم التعازي والبيعة بنفس المشاعر والولاء والهمم إلا وتلمح الوفود تلو الأخرى واقفة أو قادمة تغطي المكان.
وكأن نجران في تلك اللحظات قد انتقلت بمجملها إلى حيث مقر أميرها مشعل بن سعود ليعلن سموه استمرار تلقيه التعازي والبيعة في اليوم التالي للقادمين من أقصى منطقة نجران وفاء لوفاء مشهود.
وفي وسط الجموع الخيرة في قصر الإمارة بنجران أقف تلك اللحظات الحزينة وأتلمس تلقائياً انطباع الرجال الأوفياء المتزاحمين في حشد بشري هائل بين كبار سن وصغار وموظفين وعسكريين وكل شرائح المجتمع متداخلين متلاحمين ينظم صفوفهم وقار وهيبة الموقف.
فلا يتذمرون من زحام يلفهم حول بعض, بل يثمنون لمن يقف أمامهم مطيلاً في حديثه لسمو الأمير معبراً عن حزنه ومعلناً ولاءه وبيعته.
فالكل يرغب في ذات اللحظة التعبير عن خالص إرادته ليقول ما في نفسه وأنفس عشيرته والأقربين منه في ذلك اليوم الوطني الذي قال فيه السعوديون كلمتهم وأوصلوا فيه رسالتهم العالمية قوية ومدوية لتترسخ في وجدان الأجيال القادمة كواحدة من أهم الوقفات المشرفة في السجل الوطني السعودي.
إن ما حدث في قصر الإمارة في نجران وهي في أقصى المملكة جنوباً يتناغم بالقول والفعل والمشاعر والأساليب مع هذه السمفونية الوطنية السعودية في كل شبر من أرض المملكة، وقد فاقت المشاعر والأفعال السعودية كل الوصف ووقف حائراً أمامها كل حاسد أو حاقد لتظل إن شاء الله هذه الحملة الوطنية سداً منيعاً بعون الله يعزز مكتسباتنا الوطنية ويؤكد عمق تلاحمنا وثبات نظامنا وسمو أخلاق مجتمعنا الوفي.
وهكذا فتح السعوديون للباحثين وطلاب الدراسات الإستراتيجية والسياسية للمجتمعات المحلية والإقليمية في الشرق الأوسط فصلاً جديداً ومجالاً خصباً في طبيعة وتكوين وثقافة المجتمع السعودي وتفاعلاته.
وقد وضعنا بين أيديهم محصلة كاملة واقعية وحقيقية لا تحتاج إلى شفافية أو مصداقية أبلغ وأدق مما عبر عنه المجتمع السعودي حكومة ومواطنين.
تم ذلك في نبل ونضج بحسن إدارة الأزمة السياسية نظامياً وإنسانياً وعاطفياً وبشكل عملي فيه من الإيمان بالله تعالى ثم الحزم والثقة والانسيابية ما سوف يظل موضع الاحترام والإعجاب لكل المنصفين والأخيار في العالم.

* عضو مجلس الشورى السعودي
نائب رئيس اللجنة الأمنية بمجلس الشورى

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved