لم تخسر المملكة العربية السعودية وحدها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله، بل إن العالم العربي والإسلامي والمجتمع الدولي بأكمله فقد زعيماً عظيماً وقائداً محنكاً ورمزاً تاريخياً خلال الحقبة الزمنية الأخيرة. الملك فهد ذو شخصية قيادية فذة بقامة وهامة أوطان وأمم. نعم، لقد فقدت المملكة العربية السعودية رجلاً تربَّع خلال العقدين الماضيين على عرش المحبة والمودة في قلوب الناس داخل بلادنا وخارجها في المحيطين العربي والإسلامي. لقد عشق عارفوه وأصدقاؤه في الأسرة الدولية تعامله الدبلوماسي ووضوح لغته وطريقة حديثه وروحه في العمل؛ حتى كان مضرب مثل وقدوة للغير.ارتبط اسم فهد السعودية بالحضارة التي شهدتها بلاده، فعندما يُذكر اسمه تتحرك الذاكرة بالمنجزات ومراحل التطوير وخطط التنمية التي عشقها حتى النخاع، فعشقته وصارت ظلاً له كصانع مجدٍ وتاريخ ناصع لبلاده.كان الفهد يرفع دائماً شعارات النماء بالعلم والعمل لرفع شأن مجتمعه بعيداً عن المبررات التي لا تصنع بلداً حضارياً في زمن متسارع.كان الفهد ذا علاقة وثيقة بالقضايا العربية والإسلامية، فكان لا يهدأ له بال قبل أن يعمل على إذابة الجليد ولعب الأدوار الدبلوماسية الرامية إلى الوصول إلى اتفاقات مباشرة تحل المشكلات وتزيل المعضلات حول ما يلتبس القضايا العربية والإسلامية.كان الفهد يسابق الزمن في كل قضية، ويلعب أدواراً رئيسة؛ فقد فعل سياسياً ما لم يفعله غيره، حتى اعتبر (الزعيم الذهبي) بفضل ما يتمتَّع به من وضوح وجرأة سياسية وقدرة على تطوير العلاقات العربية.بوفاة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - يرحمه الله - يتوقف التاريخ طويلاً عند عطاءاته التي لا حدود لها على مدى سنوات حكمه؛ فهو لم يكن ملكاً للمملكة العربية السعودية فحسب، ولكنه كان رمزاً إسلامياً بارزاً يتطلع إليه كل المسلمين وكل العرب بتحقيق المزيد من الخير والمنعة والسلام والاستقرار لدولهم وشعوبهم. لقد كان الملك فهد تاريخاً كبيراً في وطن هو جزء من تاريخ هذه الأمة المشرق، ليس فقط منذ أن تولَّى الحكم في هذه البلاد، وإنما منذ أن أُسندت إليه مهمة تأسيس العقل السعودي بإسناد وزارة المعارف إليه عام 1373هـ، ثم بعد ذلك بإيكال مسؤولية وزارة الداخية إليه؛ حيث رسخ قواعد أمن واستقرار هذه البلاد ووضعها في الطريق الصحيح إلى مستقبل أكثر استقراراً ونماء ًوتطوراً، ثم بعد ذلك عندما أصبح نائباً لجلالة الملك، ثم ولياً للعهد، فملكاً. لقد فقدت الأمة العربية والإسلامية بصفة عامة، وهذا الشعب بصفة خاصة، زعيماً عربياً كبيراً؛ خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله، وذلك في فترة حرجة وحالكة تمرُّ بها الأمة والمنطقة، بعد حياة حافلة بالعطاء والحوادث العظيمة التي عاشها وعايشها - رحمه الله - قائداً وملكاً، استطاع خلالها بما منَّ الله عليه من حكمه وقوة أن يقود البلاد وسط معترك متلاطم من الظروف الدولية والإقليمية الجسيمة مع قيادة ناجحة للتنمية في الوطن نفسه على الرغم من المتغيرات الحادة التي طرأت على أسعار النفط وانعكست سلباً على الدخل العام للدولة. ولكن حكمة الملك فهد وحنكته خفَّفتا كثيراً من آثار ذلك الانخفاض الحاد في الدخل عن طريق ترشيد المصروفات وقيادة سياسة مالية متوازنة تمَّ بها تخطِّي الأزمة بنجاح لا مثيل له.لقد كان من أهم العواصف التي ضربت المنطقة، وكانت بحاجة إلى قيادة حكيمة تتعامل معها، حرب الخليج الأولى بين الجارين العراق وإيران، وفتنة جهيمان، وحرب الخليج الثانية، وغيرها من الحوادث الجسام التي زلزلت المنطقة الخليجية العربية، ولم تزل آثارها وتوابعها الزلزالية قائمة. وقد تحمَّل الملك فهد مسؤوليته كاملة، وقاد السفينة بمهارة في ذلك البحر المتلاطم، وتفادى أمواجاً وأعاصير هائلة، حتى أوصل السفينة إلى شاطئ الأمان؛ ليُسْلم بعد ذلك الروح لخالقه الكريم المنان مسجِّلاً اسمه في سجل أبرز الملوك من آل سعود.ولئن فقد الوطن ملكاً عظيماً فإن الله قد أنعم على الوطن بملك قائد شارك سلفه في تحمُّل المسؤوليات الجسام، وكان الساعد الأيمن للفقيد الراحل - رحمه الله - في جميع مراحل حكمه للدولة وقيادته لسفينة الوطن بمهارة ربَّان خبير. فالملك عبد الله بن عبد العزيز- أمدَّ الله في عمره، ووضع البركة فيه وفي ولي عهده الأمير سلطان بن عبد العزيز - كان وما زال من صنَّاع القرار وقائداً عربياً مشاركاً على مدى ثلاثين عاماً فيما شهده الوطن والمنطقة والعالم من تطورات؛ فجلالته ليس بعيداً عن مجريات الأمور الداخلية والخارجية، بل هو في قلبها ومن صنَّاعها وموجِّهيها.ولذلك فإن من حق هذا الشعب الكريم أن يتفاءل بالمستقبل، وأن يدعو لقيادته الجديدة بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، وأن تستمر مسيرة الخير والأمن والاستقرار، وأن تظل هذه البلاد الكريمة في عهدها الجديد بقيادة الملك عبد الله بن عبد العزيز وولي عهده الأمير سلطان بن عبد العزيز وبالتفافٍ من الشعب خلف قيادته واحة آمنة مطمئنة شاكرة لله على ما أنعم الله عليها من خير ومكانة في قلوب المسلمين؛ لاحتضانها خير أرض الله: الحرمين الشريفين.
عمر بن عبد العزيز المحمود معيد في قسم البلاغة والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية |