قليلة هي المناسبات التي يصعب على المرء فيها الصمت كما يصعب عليه فيها الكلام!! ومنها بالنسبة إليَّ هذه المناسبة الأليمة: رحيل راعي التعليم الأول، والقائد المحنك، والد أبناء هذا الوطن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله وأكرم مثواه، وجزاه خير ما يجزي راعياً عن رعيته، وأميناً عن أمانته. إذا اعتاد الناس في مناسبات العزاء والتأبين أن يعدوا مآثر من فقدوا، ففقيد هذا الوطن استثناء من هذه العادة، لأن ذلك مستحيل، فمآثره كثيرة متعددة الجوانب فكل دعوة له على شفاه أبناء هذا الوطن وبناته تذكر فضله وكريم سجاياه، وكل دمعة في أعينهم تعدد مآثره، وتذكر أياديه، وتسأل الله له الرحمة والغفران، وعزاء الجميع: أن الموت نهاية كل حي، وأن الراحل الجليل لن ينقطع عمله- بإذن الله- لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).. فكم من غرسة غرس، وكم من صدقة جارية أعطى، وكم من خير عميم كان سبباً في وجوده، له - إن شاء الله- أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة. وقليلة هي - أيضاً - المناسبات التي يمتزج فيها الحزن بالاطمئنان، والألم بالأمل، مع الحمد والثناء على الله سبحانه إن كان قد أخذ فقد أعطى، وإن سلب فقد وهب، ومن ذلك: أن يأتي خير خلف لخير سلف، ويخرج الأمر من يد قوي أمين إلى يد قوي أمين، ويوسد أمر هذا الوطن إلى الملك عبدالله بن عبدالعزيز وإلى ولي عهده الأمين سلطان بن عبدالعزيز حفظهما الله، وشد عضدهما بإخوانهما الكرام، وأبناء هذا الوطن المعطاء. فأسأل الله العلي العظيم أن يأجرهما على صبرهما على الرزية، ويبارك لهما في العطية، ويعينهما على القيام بشؤون الرعية. فالرزء عظيم، والعطاء جسيم، وما لنا إلا الصبر والشكر. إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا سبحانه وتعالى، وإن أبناء هذا الوطن قد أثبتوا.. في كل الظروف- ولاءهم لقيادتهم الحكيمة، والتفافهم حولها، وإن مناسبات الحزن - كمناسبات الفرح - تزيد العرى قوة، والقلوب تصافياً، والصفوف التحاماً. هذا ومن المفيد أن أذكر هنا بعضاً من ذكرياتي مع الفقيد العظيم، وما أكثرها، ولكني سأكتفي بذكر بعضها، وهي تنبئ عن مآثر كريمة للرجل، وقفت عليها من خلال عملي، ومن الأمانة أن أسجلها في هذه الكلمة الموجزة: 1 - كان عملي في حياتي كلها في ميدان التربية والتعليم، تعلماً وتعليماً وإدارة وتوجيهاً، وهذا شرف أعتز به، وكان الملك فهد - رحمه الله - هو فارس هذا الميدان، لقد كان يقول في كل مناسبة: إن عمله وزيراً للمعارف كان من أحب الأعمال إلى نفسه، وكان ذلك يدفعني وإخواني إلى العمل والجدّ فيه. 2 - عندما حلّت الذكرى الخمسين لإنشاء وزارة المعارف، وصادف ذلك احتفاء المملكة بذكرى مرور عشرين عاماً على تولي خادم الحرمين الشريفين زمام الحكم في هذا البلد المبارك تشرفت بالإشراف على إصدار كتاب وثائقي مهم، عنوانه: (فهد بن عبدالعزيز وزيراً للمعارف). وقد أبرز هذا الكتاب الدور التعليمي الرائد لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، وقد تضمن هذا الكتاب وثائق مهمة تدل على الجهود الجبارة التي بذلها، وعلى القفزات العظيمة التي حققها، والإنجازات الكمية والنوعية التي تمت بفضل الله أولاً ثم بجهود قيادته الحكيمة، وقد كتب معاصروه في الوزارة شهاداتهم على نجاح قيادته، وبعد نظره، وعلى إيمانه العميق بدور المدرسة والمؤسسة التعليمية في نماء المجتمع وتطوره وتقدمه. لقد كان اهتمامه بالتعليم اهتماماً كبيراً بالتعليم وبكل ما يتصل به من بناء للمدارس ووضع المقررات والمناهج، ثم تعديلها وتحديثها، وتدريب المعلمين، وإنشاء الجامعات والمعاهد والدراسات العليا وما إلى ذلك. بل إن سياسة التعليم التي نفتخر بها، ونعتز بسموها وعمقها وأصالتها وشمولها صدرت بقرار من مجلس الوزراء الموقر كان - رحمه الله - وراء صدوره، وحين قُدّر لي أن أعيد إصدار مجلة المعرفة التي صدرت أول مرة يوم أن كان وزيراً للمعارف ثم توقفت بعد ذلك، عرفت عمق رؤاه، وسداد توجهاته من خلال تصديره لأعدادها الأولى. 3 - في إحدى المرات التي تشرفت بلقائه في الأشهر الأولى من عملي وزيراً للمعارف فاجأني بالحديث عن أمور مهمة في العملية التعليمية، وذكر - رحمه الله- تفاصيل دقيقة في ذلك، فقد ذكر ما ينبغي أن يكون عليه المعلم من إعداد وتدريب، وذكر أهمية تطوير المناهج وتحدث عن اليوم الدراسي وعن المبنى المدرسي وضرورة أن يكون مصمماً على نحو يحقق الراحة النفسية، والسلامة الصحية، وأن يجهز المبنى بأحدث المعدات والوسائل، وتحدث عن ضرورة تحديد عدد طلاب كل فصل دراسي.. إلى ذلك من الأمور المهمة. ولابد لي من ذكر وقائع ثلاث على وجه التحديد لأكشف عن مدى احتضانه للتعليم واهتمامه به. أولاها: موقفه في إنشاء (جامعة الخليج العربي): أسند وزراء التربية والتعليم في دول الخليج العربي إلى مكتب التربية العربي لدول الخليج إنشاء (جامعة الخليج العربي) في دولة البحرين، وكنت حينذاك المدير العام لمكتب التربية العربي لدول الخليج، ومضى المكتب في تنفيذ ذلك، وكان توجيه الملك فهد أن تتضمن الجامعة التخصصات التي تحتاج إليها الدول الأعضاء ، وكان حريصاً على تحقيق ذلك كل الحرص. أجل.. لقد كان دعمه لي شخصياً وتشجيعه لي ولإخواني، وإصراره على ذلك العامل الرئيسي في إنشائها وبناء مقرها. ثانيها: موقفه في الحيلولة دون إلغاء (جامعة الخليج العربي): عندما تركت العمل في مكتب التربية العربي وعدت إلى عملي أستاذاً في كلية التربية في جامعة الملك سعود بلغني العزم على إغلاق جامعة الخليج العربي بسبب تأخر بعض الدول في تسديد حصصها، فأقلقني ذلك وآلمني وأهمني، فاتصلت به هاتفياً وأخبرته بذلك، وذكرت له أن مجلس أمناء الجامعة أوقف القبول فيها، وذكرت لها أن اجتماعاً سيعقد للمجلس بعد يومين من أجل إنهاء إجراءات إغلاقها نهائياً.. فاهتم - رحمه الله - بالأمر وكلفني أن أتوجه إلى البحرين، وأبلغ مجلس الأمناء أن المملكة العربية السعودية والملك فهد على استعداد لسداد أي عجز في الميزانية، وأن الجامعة أُقيمت لتبقى لا لتغلق، وقمت بذلك فوراً، وعندما نقلت للمجلس الرسالة الملكية تغير الموقف، ورجع المجلس عن عزمه ذلك، وقد أوفى -رحمه الله- بما وعد.. وها هي ذي الجامعة الآن مؤسسة شامخة تقوم بالمهمة التي أنشئت من أجلها، ولولا موقفه الكريم الحازم لما كانت. وقد شرفني - رحمه الله أن أرافقه - وأنا أستاذ في الجامعة - إلى مؤتمر قمة دول مجلس التعاون في دولة الكويت بعد تحريرها مباشرة، وكان نتيجة ذلك أن تضمن بيان القمة دعم الزعماء للجامعة والتزامهم باستمرارها والحمد لله. ثالثها: اهتمامه - رحمه الله - براحة الطلاب ورفاهيتهم في مدارسهم: لم تتضمن ميزانية الوزارة في عام من الأعوام ما يغطي تكاليف تكييف الفصول الدراسية في المدارس وتأمين برادات الماء، فلما عرف ذلك سألني عن المبلغ الذي يغطي تحقيق الأمرين، فأبلغته أن خمسة وستين مليون ريال كافية لتحقيق ذلك فبادر وأرسل إليَّ شيكاً باسمي بالمبلغ المذكور لهذا الغرض، وقد سد هذا النقص في كل مدارسنا ولله الحمد والمنة هذا غيض من فيض ذكرياتي معه التي لا تُنسَى ... ولن أفيض ويكفي أن نردد بعض أقواله في هذا الصدد فمن ذلك قوله رحمه الله: (إن الإنفاق على التعليم يقع في أعلى سلم أولويات الإنفاق الحكومي) وقوله: (يجب أن يدخل العلم كل بيت في هذه البلاد وأن يستضيء المواطنون في حقولهم وأماكن عملهم بنور المعرفة). وقوله: (كل موظف في وزارة المعارف هو وزيرها وعليه مسؤولية الوزير في حدود عمله واختصاصه لذلك يجب أن يعمل كل منا وفق طاقته وأن يخلص لهذا الجيل الصاعد من أبناء وطنه) رحمه الله رحمة واسعة. هذا وإنني لأؤكد أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لا يقل عن فقيدنا في الحرص على التعليم وتطويره وتقدمه وتوفيره لكل مواطن.. أقول ذلك من خلال تجربتي الطويلة معه حفظه الله وأيده ووفقه إلى كل خير. كما أن لصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز ولي العهد، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع الطيران، والمفتش العام - حفظه الله - أيادٍ بيضاء، واهتمام بالغ بالتعليم وتطوير خططه وبرامجه. حفظ الله هذه البلاد ملكاً، ووطناً، ومواطنينَ، وأدام عليها نِعَمَهُ التي لا تُحصَى، ووفقنا جميعاً إلى خدمته والذود عنها، إنه أكرم مسؤول.
|