رحل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، ولم يكن - رحمه الله - أوَّل مَن يرحل، ولن يكون آخر الأموات؛ فالموت حق على كل نفس{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، ولكن ليس كل مَن ودَّع الحياة سواء؛ فإن قلة من البشر هم الذين تبقى ذكراهم حاضرة ومحفورة في التاريخ، وقلة القلة هم مَن قدَّموا الكثير ليكونوا في مقدِّمة المذكورين. والملك فهد بن عبد العزيز - رحمه الله - من هؤلاء القلة الذين ذهبوا ولكن ستبقى ذكراهم محفورة في أذهان وقلوب الناس وتاريخ البشرية وإرثها الحضاري؛ فقد عاش الملك فهد - رحمه الله - أربعة وثمانين عاماً تعادل بالأيام أكثر من ثلاثين ألف يوم، ولو جُمعت إنجازاته وأعماله - رحمه الله - في كافة المجالات لتجاوزت صفحات تسطيرها أضعاف عدد تلك الأيام التي عاشها رحمه الله؛ فقد كانت حياته مليئة بالإنجازات العظيمة والجليلة، فالملك فهد أمضى مدة تقارب ربع قرن حاكماً وقائداً، وقبل ذلك ولياً للعهد ونائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للداخلية ووزيراً للمعارف. لم يكن الملك فهد شخصاً عادياً يسير الأمور كيفما اتفق، ولكنه كان حاكماً مبدعاً، قاد المملكة إلى التطور والتقدم والرفعة وتسنُّم الريادة بين الشعوب، وبشمولية وواقعية وتسارع كبير، مع المحافظة على الثوابت والقيم الإسلامية، بل كان حريصاً - رحمه الله - على ترسيخها والدفاع عنها بكل ما يملك. ففي ميدان تطور المملكة العربية السعودية كدولة إسلامية حديثة أصدر العديد من الأنظمة والتنظيمات، ومن أبرزها الأنظمة الثلاثة: (نظام الحكم، والمناطق، والشورى)، التي جعلت من المملكة نموذجاً فريداً للدولة الإسلامية الحديثة. وفي مجال تعزيز المكانة الدينية للمملكة وقيامها بدورها الذي نشأت على أساسه أنجز الملك فهد - رحمه الله - توسعاتٍ للحرمين الشريفين لم يسبقه إليها أحد، وأنجزت في فترة اقتصادية حرجة تدنَّت فيها أسعار النفط إلى أقل مستوياتها. كما أن مطبعة المصحف الشريف نموذج فريد للعناية بكتاب الله ونشره وتبليغه رسالة الإسلام إلى كافة شعوب الأرض. كما أن إنشاء المساجد والمراكز وتقديم المنح والإعانات والمساعدات تعتبر أمثلة على حرصه وعنايته - رحمه الله - بأمته الإسلامية جمعاء. وفي ميدان التعليم، فالنقلات الكمية والنوعية في التربية والتعليم بمستوياته المختلفة العام والمهني والجامعي والعالي تشهد بحقٍّ بإنجاز غير مسبوق، فعدد الملتحقين حالياً بالتعليم بنين وبنات يزيد عن خمسة ملايين، كما أن هناك أربع عشرة جامعة إضافة إلى العديد من الكليات الأخرى. وفي ميدان الصحة، فالخدمات الصحية المتطورة والشاملة والمتخصصة جعلت المملكة مقصداً للاستشفاء من مواطني بعض الدول التي كان يقصدها المواطنون السعوديون في فترات سابقة للعلاج والاستشفاء. وفي ميدان الرعاية الاجتماعية، فالبرامج المتنوعة للرعاية الاجتماعية والأعداد المتنامية من المؤسسات والجمعيات الخيرية تشهد بحجم العناية والرعاية التي أولاها الملك فهد - رحمه الله - للفقراء والأيتام والمعاقين والمحتاجين. وفي ميدان الصناعة، فالصروح الصناعية الإنتاجية في الجبيل وينبع وبقية المناطق تشهد بالنهضة الإنتاجية الأساسية التي أصبحت أسواق العالم تعتمد منتجاتها. وفي ميدان البنى الأساسية والخدمات والتوسع العمراني الكبير المصاحب للنمو السكاني المتسارع وما استلزمه من توفير لخدمات الكهرباء والماء والطرق والاتصالات والنقل فواقع مدننا يشهد بالإنجازات العظيمة في هذا الميدان. وفي مجال تعزيز المكانة السياسية الإقليمية والدولية للمملكة نجد أن المملكة بقيادته وحكمته - رحمه الله - اكتسبت مهابة ودوراً ريادياً في معالجة القضايا العربية والإسلامية والعالمية، وما موقفه من القضية الفلسطينية ودوره في تحرير الكويت ومعالجة القضية اللبنانية وقضية البوسنة والهرسك وقضية الصومال إلا أمثلة جلية على ذلك. وحقاً فلم يكن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد - رحمه الله - ملكاً عادياً؛ لذا فإن ذكراه ستبقى محفورة في قلوبنا وقلوب أبنائنا، وستبقى إنجازاته شامخة لكل شاهد، وستبقى مسطَّرة في صفحات تاريخنا تستذكرها الأجيال القادمة. رحم الله خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، وأجزل له المثوبة، وجعل منزلته في الفردوس الأعلى من الجنة، وأعظم الله لنا جميعاً الأجر على فقده، وبارك لنا جميعاً في خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز؛ فقد كانا خير معين لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - رحمه الله - في حياته، جعلهما الله مباركين ومسدَّدين، ووفقهما إلى الخير دائماً.
(*)نائب وزير التربية والتعليم لتعليم البنات |