مع اقتراب موعد الانسحاب من غزة تزداد آفاق عملية السلام غموضاً، فإسرائيل تحاول تصوير انسحابها وكأنه خطوة كبرى نحو السلام على الرغم من أن هذا الانسحاب هو في الأساس لتلبية لاحتياجات أمنية إسرائيلية، وتعبير عن الفشل في السيطرة أمنياً على غزة التي تتصاعد فيها المقاومة بشكل كبير. وفي ذات الوقت فإن إسرائيل تربط الانسحاب من غزة بالانسحاب عن أربع مستوطنات معزولة وشبه خالية في الضفة الغربية، لكنها تحتفظ بالكيانات الاستيطانية الكبرى في الضفة التي تأوي الغالبية العظمى من المستوطنين بما يفوق 300 ألف منهم، وتكشف الخطط الخاصة بالضفة على أنه لا يمكن اعتبار الانسحاب من غزة على أنه جزء من عملية السلام، إذ إن السلام يستوجب إقامة الدولة الفلسطينية لكن لم تتبقَ مساحة كي تقام عليها مثل هذه الدولة إذ إن معظم الضفة مشغول بالمستوطنات الكبرى والسور العازل الذي يتلوى في أنحائها. ومع ذلك فإن الفلسطينيين ممثلين في السلطة يحاولون تهدئة الأجواء من أجل إكمال هذا الانسحاب حرصاً منهم على التجاوب مع كل خطوة قد تعتبر في إطار السلام، على الرغم من أن الأمر ليس كذلك، وهم يتبعون في ذلك مبدأ خذ وطالب . غير أن الإسرائيليين قد أوضحوا استحالة إعادة تلك الأراضي التي أشرنا إليها في الضفة وهم يتصرفون في هذا الصدد وفقاً لضوء أخضر من الولايات المتحدة التي وافقت على احتفاظ شارون بتلك الأراضي. وهناك كم هائل من التصريحات التي تبرز التناقض في هذا المقام فالفلسطينيون يقولون إنهم ضد دولة بحدود مؤقتة، ومن الواضح أن إسرائيل ترمي إلى إقامة مثل هذه الدولة التي ستبدأ مؤقتة وهي ستظل كذلك طالما أن إسرائيل عازمة على عدم الخروج من الضفة بالكامل. ومن جانبهم فإن الأمريكيين قالوا إنهم ضد الدولة المجزأة لكنهم يرون بأم أعينهم كيف يتم تقطيع وتجزئة الأراضي الفلسطينية، بل هم يغضون الطرف عن إقامة السور العازل وهو من أهم معاول التجزئة التي تتعرض لها الضفة، هذا فضلاً عن موافقتهم على خطط شارون الخاصة بالمستوطنات. والخلاصة أننا أمام وضع يلفه الغموض، غير أن ما يمكن قوله إن إسرائيل التي تنتهج سياسة الأمر الواقع ستظل متمسكة بهذه السياسة وإنها تأمل في إكمال خططها الحالية كما تأمل في الحصول على تنازلات في قادم السنين تتيح لها الزج بالفلسطينيين في هذه (الكانتونات)، لكن واقع الحال يقول بغير ما تشتهي إسرائيل فقد أثبتت المقاومة الفلسطينية طوال عقود أنها قادرة على التصدي لهذا التطاول الاستعماري الصهيوني.
|