يجري اختيار وتعيين السفراء من خلال طريقتين مختلفتين، وربما طرق أخرى لا نعرفها، ولكن الاختيار يتم إما من خلال جهاز وزارة الخارجية وسفرائها العاملين وإما من خلال مواصفات خاصة وشخصيات مهمة لها دور خاص وموقع مناسب وتأهيل يتجاوز المقاييس العادية للمؤهلات. وكلنا نعرف أن العلاقات السعودية الأمريكية وسفراء الولايات المتحدة في الرياض جاؤوا من خلال الطريقتين في المملكة. ولأهمية العلاقات السعودية الأمريكية فإن اختيار سفراء الولايات المتحدة الأمريكية في الرياض جاؤوا من خلال الكفاءة الخاصة والمؤهلات العالية والعلاقة الوطيدة التي تربطهم بالرئيس، فأرسل الرئيس كلينتون صديقين له إلى الرياض للسفارة، وكذلك فعل الرئيس بوش الابن في ولايته الأولى، إذ أرسل محامياً من تكساس ليكون سفيره في الرياض، هو السيد جوردن براون، وعند انتهاء مدَّته أرسل إلى الرياض السيد جيمس أوبريتور، وهو رئيس تنفيذي لإحدى شركات البترول في ولاية تكساس أيضاً. والسفراء السعوديون الذين عملوا في سفارة المملكة في واشنطن منذ عهد الملك فيصل كانوا دبلوماسيين محترفين، كالسيد محمد علي رضا وإبراهيم السويل وفيصل الحجيلان. وجاء تعيين صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سلطان ليكون من النوع الثاني، وهو الاختيار من خارج الجهاز الدبلوماسي، وهكذا يأتي اختيار صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل سفيراً أعاد للسفارة السعودية في لندن حجمها وعلاقتها وبريقها ومكانتها، ولا أتجاوز الحقيقة عندما أشير إلى أن سمو الأمير تركي الفيصل بثاقب نظره وحسن خبرته ومجمل تجاربه قد أخرج هذه العلاقة من الجدران المغلقة إلى الفسح المفتوحة، وليست (أيام سعودية في مانشستر) إلا صورة مشرقة لهذا التطور، وقد سبق ذلك الكثير من الندوات وحلقات النقاش، وكذلك اجتماع مجلس الأعمال السعودي البريطاني، وبطولة البولو التي تقام سنوياً ويشارك فيها الأمير تشارلز، وكذلك المساهمة في ندوات الحوار التي تُعقد باستمرار في جامعتي أكسفورد وكمبردج العملاقتين، والالتقاء بالطلبة السعوديين في أنديتهم ومحاولة حل مشكلاتهم، والظهور في الكثير من البرامج التلفزيونية، وقبل هذا أو بعده فإن هذه النشاطات المتعددة لم تمنع سموه من فتح باب سفارة المملكة يومياً للقاء السعوديين المقيمين والزائرين، بل تجاوز ذلك كله إلى إقامة صلاة الجمعة في مقر السفارة وإعداد مائدة غداء لأولئك الذين يشاركون موظَّفي السفارة في حضور صلاة الجمعة في اجتماع دوري مع المصلين المقيمين والزائرين، ويشارك الغداء بعض رجالات العالم الإسلامي المرموقين المقيمين والزائرين من الدول الإسلامية في آسيا وإفريقيا والعالم العربي. ولعل من المناسب الإشارة إلى أن حرم سموه ذات دور فاعل في الاجتماع مع السيدات السعوديات والطالبات وتعرُّف ما لديهن من مشكلات إن وجدت ونقلها إلى سمو الأمير لإيجاد الحلول المناسبة لها، كما تساهم في الاجتماع مع سيدات المجتمع البريطانيات لنقل الصورة الصحيحة والصادقة عن المرأة السعودية المسلمة. ويلعب الإعلامي المخضرم جمال خاشقجي دوراً كبيراً كضابط اتصال للعلاقات السعودية البريطانية الإعلامية، ولا شك أنه بحكم خبرته الإعلامية المتراكمة فإن صلاته الإعلامية البريطانية الواسعة تخدم هذه الأغراض بكفاءة عالية. وفي الوقت الذي نشعر فيه بالمفخرة لحسن الاختيار وكذلك للسرعة الإيجابية التي تم بها هذا الاختيار الموفق فإننا نتمنى لسموه التوفيق والنجاح، وأن تكون السفارة السعودية في واشنطن هي البيت السعودي الكبير هناك، وأن تفتح أبوابها للمواطنين بشكل دوري ومنظَّم، وأن يعهد إلى أحد المختصين ببحث الكثير من المشكلات التي يواجهها بعض المقيمين هناك. وأودُّ أن أشيد بدور القنصليات السعودية في نيويورك وهيوستن ولوس أنجلوس، إذ يقوم على هذه القنصليات شباب من خيرة شبابنا خلقاً وخدمةً واتصالاً وتواصلاً مع الجالية السعودية المقيمة هناك. ويقوم الدكتور الجديع في نيويورك والأستاذ عبد العزيز الدريس في هيوستن والأستاذ عبد الله الحارثي والدكتور سامي البراهيم في لوس أنجلوس بدور فعال في خدمة الجالية السعودية في مناطقهم. ولعل هذه المشاعر تدفعني إلى أن أطلب من سموه الكريم البدء عند تسلُّم العمل - إن شاء الله - في تشكيل فريق عمل متناسق ومؤهل من أصحاب الكفاءة والجدارة والمهنية للعمل في السفارة؛ لأن علاقات المملكة وأمريكا مهمة وضرورية، وأصبحت أمريكا القطب الأوحد في هذا العصر؛ مما يحمل المتعاملين معها أعباء خاصة يجب القيام بها، كما أن تزويد القنصليات بالشباب العامل المؤهل الذي يتقن اللغة الإنجليزية، وهم كثر بحمد الله، ضرورة ملحة للتدريب والتقدُّم، وخصوصاً أن العلاقات السعودية الأمريكية تبلغ من الأهمية درجة قصوى؛ مما يعكس أهمية بناء الجهاز الفاعل المتفاعل مع المجتمع الأمريكي ومع الدوائر الحكومية المعنية، ويمثل لنا السيد عادل الجبير نموذجاً للشباب القادم بقوة إلى الأمام. وأنتهز هذه الفرصة لأقدِّم خالص التهاني لسموه، وكذلك لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نواف بن عبد العزيز الذي يتسلَّم زمام السفارة السعودية في لندن، وهو خير خلف لخير سلف.
*رجل أعمال - باحث في المجتمع المدني جامعة وستمنستر- لندن |