Sunday 4th September,200512029العددالأحد 30 ,رجب 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

شيء منشيء من
ابحث عن المؤامرة!
محمد بن عبداللطيف آل الشيخ

نظرية المؤامرة جزء لا يتجزأ من عقلية الإنسان المتخلف العاجز، فهي المشجب الذي يعلق عليه هزائمه، ويرد إليها فشله، ويبرر بها انكساره واندحاره.
وأتذكر أن (الماسونية) كانت إبان عقدي الستينات والسبعينات الميلادية إحدى (مبررات) هزائم بني يعرب، كنا نقرأ عن منظمة عالمية خفية غريبة عجيبة، اسمها: (الماسونية)، وكانوا يؤكدون لنا أن الذي يديرها دهاة، ويخطط لها عباقرة، أما ضحاياها فهم نحن (الأغبياء) المغفلون، الذين نقع في شراكها عن غفلة وغباء ودونما حذر لنتحول في النهاية إلى مجرد (أحجار على رقعة الشطرنج)، تديرها أيد خفية لصالح اليهود! وكانت هناك تصنيفات، وكانت هناك اتهامات، لم يسلم منها أحد من كبار بني يعرب وصغارهم، وكان أي ناجح ومتميز في حياته من ساسة الشعوب الناطقة بالعربية، يتعامل مع الغرب بواقعية، وبعيداً عن الشعارات، يتهم دائماً بأنه (ماسوني)، وكان الشيخ عبدالرحمن الدوسري - رحمه الله - يجول على المدارس في المملكة آنذاك يحذر من (الماسونية)، ويبشر بأفكار سيد قطب، على اعتبار أنه (المخلص)!.
الآن ذهبت هذه التهمة، واضمحلت، ولا تكاد تذكر كتهمة غير أن عقلية (ابحث عن المؤامرة) ظلت مسيطرة على مفاصل التحليل السياسي العربي... فالمحلل العربي العظيم، الذي يشار إليه بالبنان كما يقولون، هو دائماً ذلك الذي يجيد كيف يبحث ويستقصي ويفكر ليفك لنا تعقيدات اللغز ويكشف خيوط (المؤامرة) ف(الحق) الذي كان في الماضي على (الطليان) أصبح هذه المرة على (الأمريكان)، والرابط بينهما (التآمر)!.
فما جرى في فلسطين - مثلاً - في تحليلاتهم هو ضرب من ضروب المؤامرة على العروبة من قبل الغرب، فتسأل أحدهم: لماذا؟ فيجيبك بلغة متكلسة مغيرة وهو يغمز بإحدى عينيه: خوفاً من أن يخرج (المارد) العربي من القمقم، فيزلزل أركان حضارة الغرب (المادية)، ويعيد حضارة لنا (سلفت)، سنحييها وإن رغم أنف الامبريالية والاستعمار. ويضيف: إن أخشى ما يخشاه الغرب هي تلك الحضارة (العربية) العملاقة، التي سترث حضارتهم شاءوا ذلك أم أبوا، ولذلك لا حل لهم إلا المؤامرة (لمنعنا) من استعادة حضارتنا العظيمة!.
سقطت القومية وسقط القوميون، وأصبح الحل (القومي) مجرد مرحلة من الفشل التاريخي الحضاري الذي لم يقف عائقاً في سبيل تقدمنا فحسب، وإنما سعى بنا إلى الخلف، وإلى القهقري. وجاءت مرحلة (الصحوة) الإسلامية كما يسمونها تغير الشكل والشعارات والمانشيتات، غير أن (المضمون) والعقلية بقيت كما كانت عليه. استعار الصحويون من القوميين (ذريعة) المؤامرة، وراحوا يروجون لها، ويؤكدونها، ولكن بلغة ومصطلحات أخرى فالغرب الذي كان عند القوميين (امبريالياً) هو ذات (العدو)، دوخ (الإمبريالية) أصبح (ابن لادن) الذي هز عروش (الصليبية)، أما (ميشيل عفلق) منظر (البعث) والعروبي العظيم، فلبس الجبة والقفطان، وصار (يوسف القرضاوي)، وسكن في قطر، وأفتى بجواز (الانتحار) في سبيل دحر الصهينة في فلسطين والصليبيين في العراق، ونسي أو تناسى أن من أفتى بقتلهم في العراق يعيشون على بعد عدة كيلومترات من بيت فضيلته في الدوحة، و(الأقربون) أولى ببركة فتاواه حفظه الله!
إن أهم ما ينفرد به المؤمنون بهذه النظرية، أعني نظرية المؤامرة، أنهم يسعون بكل قوة إلى تطهير (الأنا) من مسؤولية الخطيئة، ويلقون بها على الآخر كما يقول الكاتب العراقي باسم الأنصار، تماماً كما يفعل الأطفال عندما يخطئون، أو يرسبون في المدرسة، فيتذرعون عند مجابهتهم بالنتيجة أن السبب كرة (المدرس) لهم، وليس إهمالهم. إن هذه الذريعة الساذجة والعذر (الطفولي) البسيط يتجلى بشكل صارخ لدى عقليات أرباب نظرية المؤامرة، فسبب تفوق الآخر، وانتصاره، وهزيمتهم، ليس قوته، وليس تفوقه، وفي المقابل ضعفهم، ولا يمكن أن يكون منهجيته العلمية معاذ الله إنما قدرته على (التآمر) والكيد، والعمل في ليل كالح السواد ويبررون: ونحن أهل (أخلاق) ومبادئ، لا أصحاب كيد ومؤامرات!.
يقول أحدهم مثبتاً أن من يؤمنون بنظرية (المؤامرة) انتصروا في النهاية (محنة العراق قد أعلنت مجدداً - وبكل هذا السفور - أن (نظرية المؤامرة) حقيقة (كذا) ولم تكن في يوم من الأيام ضرباً من الوهم أو الخيال وإزاء هذا لم يجد بعض المفكرين والكتاب العرب بداً من التوجه إلى الحكومات والأنظمة القائمة للعمل على وقاية البلاد والعباد من أخطار هذه المؤامرة(!!) التي لم تعد تدبر في الخفاء، التي أصبحت أهدافها ونتائجها تعلن عن نفسها دون مراعاة لأية نواميس أو قوانين وأعراف..) انتهى وكأن صدام الذي غزا الكويت وقتل ودمر وزرع أرض العراق بالمقابر الجماعية، لا ذنب له، أو أنه (مشارك) في المؤامرة، واختر من الإجابتين ما تشاء!.
قرأ ابني الذي هو الآن على أعتاب سن المراهقة هذا المقال قبل أن أختمه، فتساءل: طالما أن الغرب يتآمر عليهم، فلماذا لا يتآمرون عليه؟ نظرت إليه وضحكت، وتذكرت المثل العربي الذي يقول: قطعت جهيزة قول كل خطيب! إنه العجز يا بني، وحيلة العاجز مسح السبورة، أو ذر الرماد في العيون أيهما أسهل!.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved