* قضيت جزءاً من إجازة هذا العام؛ بين الناس في بلدي الحبيب؛ على كافة طبقاتهم ومختلف مشاربهم، فرأيت في عيونهم دموع الفرح ودموع الترح على حد سواء. * رأيت دموع الأسى والحزن؛ ترتسم على عيون آباء وأمهات؛ فجعوا في أولاد لهم في ريعان شبابهم؛ بعد أن تم اختطافهم في وضح النهار؛ من قِبل خطاب ديني متشدد متطرف، لا يرى خيراً في حياة الشباب، ويرى الموت هو البديل الوحيد، فالموت في ثناياه وحناياه، هو خير كله، وهو مقدم على الحياة، ولهذا.. لبَّس على العامة هذا الخير؛ بلباس الجهاد المزعوم في العراق؛ فتحول البعض إلى حطب جاهز للحرق والاحتراق في أرض العراق؛ مثلما كان الأمر في أفغانستان والشيشان من قبل، وراح الضحايا يتساقطون أو يباعون، ولكن بعد مخابرات وداعية هاتفية مؤثرة من هناك، تصب في آذان الآباء والأمهات، فتنزل عليهم كصواعق محرقة. * في أسبوع واحد فقط؛ شهدت الطائف تفكيك فريق كرة قدم؛ بسبب هجوم من متشددين، يحرمون هذه الرياضة الرائعة؛ استناداً إلى فتاوى مجهولة، وأخرى معلومة، فيجندون الشباب الرياضي وغير الرياضي؛ إلى جهادهم المزعوم في العراق. فنجحوا في ذلك. * وشهدت الطائف كذلك؛ وفي موقف غير وحيد وغير فريد؛ نجاح قاض وخطيب جمعة، في الدفع بعددٍ آخر من شباب الحي إلى حتفهم في العراق، حتى تواترت أخبار مقتل هذا؛ وهلاك ذاك، فشعرت في لحظة يأس وكرب، أنه لم يبق لنا في المصيف الجميل، سوى مواساة الحزانى بفقد فلذات أكبادهم قتلاً في العراق، ومحاولة كفكفة الدموع الحرَّى، أو التندر بما قال ابن فلان وابن فلان؛ وهو يتحدث إلى زملائه أو أهله بالجوال من هناك. * وفي غمرة الأحزان هذه؛ التي برع في نشرها أعداء الحياة، وتخصص في بعثها رسل الموت والخراب والدمار؛ تمتد في الأجواء؛ أيد بيضاء نقية؛ فتكفكف دموع الأحزان؛ لتستبدل بها دموع الأفراح. * جاءت مكرمة (خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز) حفظه الله؛ بزيادة رواتب موظفي الدولة بنسبة (15%)؛ بلسماً لجراحٍ أليمة، اجترحها الخوارج الجدد في جسد الأمة، وعكف على نكئها بين وقت وآخر؛ متعاطفون معهم من طلاب مدرسة طالبان البائدة. * رأيت دموع الفرح في عيون وطنية بريئة؛ أبكتها أدخنة الإرهاب، وأورمتها حوادث التفجير، وأحرقها اختطاف الصغار من الشباب، والزج بهم في أتون الصراع القائم اليوم في العراق، بين الجيوش الدولية والعراقية من جهة، وبين بقايا البعث الصدامي؛ وحطبهم من المغرر بهم، والمرتزقة من جهة أخرى. * زيادة الرواتب لموظفي الدولة عسكريين ومدنيين ومتقاعدين؛ وتزامنها مع شهر رمضان المبارك، تعبّر عن عمق إحساس خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- بشعبه كافة، فرخاء ورفاهية المجتمع السعودي؛ هو في صلب الهم الوطني العام؛ الذي توليه القيادة ما يستحق من عناية ورعاية واهتمام، وحتى تتحقق هذه الأهداف النبيلة؛ بما تم من زيادة في المرتبات، رأينا كيف أتبع ذلك بتوجيهات صارمة لأمراء المناطق والمسؤولين المختصين؛ لمراقبة الأسعار، ووقف ما قد يطرأ من تجاوزات واستغلالات للاستحواذ على الزيادات الجديدة. * إذا أحسنا المتابعة والمراقبة، وجعلنا المواطن نفسه رقيباً مع الرقيب المعتمد، فسوف يتحقق المزيد من الاستفادة من هذه الزيادة، لتشمل أسراً كثيرة، فرحت كثيراً بهذه الزيادات، واستقبلتها بخالص الدعاء؛ لخادم الحرمين الشريفين. * بقي هناك ما أود قوله انسجاماً مع زيادة الرواتب، ولعل هذا مما هو في تفكير المسؤولين اليوم أو غداً، لتوفير مزيد من الاستقرار والرخاء، وثبات في أسعار السوق لسنوات طويلة قادمة. * أتساءل عما إذا كان بالإمكان، التشريع لقائمة سلع محمية من كل ما يثقل كاهل المواطنين، وخصوصاً ذوي الدخول المحدودة، فالسوق الاستهلاكية سريعة التذبذب والتغير، وأسعارها ترتفع دائماً بمناسبة وبغير مناسبة، والضرر يلحق من لا يستطيع مجاراة هذه الارتفاعات؛ من قليلي أو متوسطي الدخل، وهم غالبية المجتمع. * أقول هذا وأنا أفكر في قائمة محمية أو مدعومة؛ تختص بالسلع الاستراتيجية الضرورية، تلك التي تتناول (الغذاء والدواء) على وجهٍ خاص، فسلع غذائية استهلاكية مثل: (السكر والشاي والرز والجبن والحليب واللبن والقمح والدقيق والزيت)؛ هي من ضرورات الحياة لكل بيت، وأسعارها ينبغي أن تكون في الحد الأدنى، وفي متناول الكل بشكلٍ دائم. * يضاف إلى ما تقدم؛ (الدواء والاستطباب)، فأسعار الدواء ترتفع بشكلٍ كبير، وأسعار الاستطباب في المشافي الأهلية هي الأخرى مرتفعة جداً. * ثم ينبغي ألا ننسى (الغاز) الذي يدخل كافة البيوت، وتشكل أسعاره الحالية، عبئاً كبيراً على مداخيل الأسر، ذلك أن آخر تسعيرة قبل سنوات؛ وصلت به إلى سعر (15 ريالاً للأسطوانة)، بزيادة بلغت في حينها نسبة (100%)، في حين تقلصت عبوة أسطوانة الغاز حسب قول كثيرٍ من المستهلكين؛ بنسبة (50%)، فهي في حدود (12 رطلاً) فقط. * إن زيادة الرواتب؛ خطوة موفقة، سوف يكون لها تأثير كبير على حياة المجتمع بكل طبقاته دون أدنى شك، وستكون فعالة أكثر في حالة إسنادها ودعمها؛ بإجراءات من مثل (قائمة السلع المحمية)، حتى لو اقتضى الأمر؛ دعم بعض السلع الحياتية، مثلما شهدت البلاد في سنوات خلت، ثم تكثيف المتابعة والرقابة، وكبح جماح شهية السوق في الحلب غير المبرر من جيوب المستهلكين. * أخيراً.. يتساءل المتقاعدون من مدنيين وعسكريين؛ وهم من خدموا وأعطوا وأخلصوا وأبلوا كثيراً في خدمة وطنهم ومجتمعهم، عما إذا كانت استثمارات صندوقهم؛ (صندوق المعاشات)، وهي كبيرة جداً كما نعلم، وبعشرات المليارات؛ تسمح بمساواتهم بزملائهم من الموظفين على رأس العمل؛ في بقاء واستمرار العلاوات السنوية..؟ حتى لا يجدوا أنفسهم وهم في سني متقدمهم من أعمارهم، يقبعون في مستويات دخل متدنية، لا تناسب مقاماتهم، ولاحياتهم، ولا ما قدموا من عطاءات وتضحيات وهم على رؤوس أعمالهم..؟
fax: 027361552 |