Sunday 4th September,200512029العددالأحد 30 ,رجب 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الثقافية"

الأدب.. والدراسة الأدبيةالأدب.. والدراسة الأدبية

يحسن بنا قبل الخوض في حديثنا عن الأدب، ودراسة الأدب، أن نعرف ونحدد ما نعنيه بالأدب، وبالدراسة الأدبية. والفرق كما يبدو لي واضح لا يحتاج إلى طويل عناء لمعرفة كنهه والوقوف على طبيعته، فالأول نشاط خلاق مبدع، والثاني إن لم نعتبره علماً من العلوم فهو على الأقل ضرب من ضروب المعرفة. لقد كانت محاولات من بعض النقاد الغربيين ترمي إلى إزالة الفارق بين الأدب كعمل خلاق، وبين الدراسة الأدبية.
فقد قال بعضهم على سبيل المثال إن الانسان لا يستطيع أن يفهم الأدب ما لم يمارسه ويكون له إنتاجه الأدبي الخاص، أي أن المرء لا يستطيع فهم شعر شوقي أو المتنبي أو كتب الجاحظ ما لم يكن هو نفسه شاعراً مارس قرض الشعر، وكاتباً أعمل قلمه في ضروب النثر البديع الممتع، أو أن المرء لا يستطيع فهم مسرحيات شكسبير أو توفيق الحكيم ما لم يمارس تأليف المسرحيات بنفسه.
لا شك أن التجربة الأدبية تعين الدارس في فهم الأدب والعمل الأدبي إلى درجة كبيرة، إلا أن التجربة الأدبية ليست شرطاً من الشروط التي يجب أن يجتازها دارس الأدب ومحلله فالدارس يجب أن يترجم الخبرة التي يحصل عليها من قراءته للعمل الأدبي إلى لغة النقد والدراسة وأن يضعها ضمن إطار خطة دراسية منتظمة ومترابطة ومعقولة حتى تدخل في حدود ما نسميه (بالمعرفة) فربما يحتوي العمل الأدبي موضوع الدراسة على أشياء غير منطقية أو معقولة وواجب الناقد والدارس في هذه الحالة أن يدرسها بلغة الواقع والعقل. وهو في هذه الحالة يشبه إلى حد كبير المؤرخ لفن الرسم، أو دارس الموسيقى أو عالم الحيوان أو الاجتماع.
وقد وردت اقتراحات كثيرة بخصوص حل المشاكل الناتجة عن العلاقة بين الدراسة الأدبية والعمل الأدبي. فبعض النقاد ينفي أن تكون الدراسة الأدبية ضرباً من ضروب المعرفة ويسمونها عوضاً عن ذلك (خلقاً من الدرجة الثانية) وهذا بالطبع أمر غير ذي موضوع في هذه الأيام، وكثيراً ما كان هذا (النقد الخلاق) أو هذه الدراسة الخلاقة تعني ترجمة عمل أدبي إلى عمل أدبي آخر، ولكن إلى صورة أسوأ.
وهناك بين النقاد من يخرج بنتائج مغايرة للنتائج التي تخرج بها عندما تقارن الأدب والدراسة الأدبية. فبعضهم يقول إن الأدب يجب ألا يدرس أبداً. إننا نعري الأدب ونستمتع به ونتذوقه فقط، أما بخصوص دراسته فإننا نستطيع أن نجمع (المعلومات) التي نريدها عنه فقط فهذه المدرسة تؤكد أن التذوق والاستمتاع بالعمل الأدبي هي أمور تخص الأفراد أنفسهم ويجب ألا تخضع الأذواق الفردية للتعميمات التي تفرضها الدراسات النقدية للأدب.
ومشكلة المشاكل الآن في دراسة العمل الأدبي هو كيف نستطيع أن ندرس الفن أو الفن الأدبي وهل في الإمكان ذلك؟ وأحد الأجوبة التي يمكن أن تخطر على البال في هذا المجال هو أن تستعمل الأساليب المتبعة في دراسة العلوم الطبيعية والتي يجب أن نطوعها لدراسة الفن الأدبي، فالأساليب العلمية يمكن أن نستعملها في تفسير الظواهر الأدبية كدراسة البواعث الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تكمن وراء الظروف التي تحرك حوادث العمل الفني أو الأدبي، ويمكن أن نستعمل الأساليب العلمية في الدراسة الأدبية من احصاء وخرائط ورسوم بيانية.
ويمكن أن نستعمل النظريات البيولوجية في متابعة تطور الأدب. إلا أن ادخال الأساليب العلمية في دراسات النقد الأدبي لم يأت بالنتائج التي كانت متوقعة عند ادخال هذه الأساليب فقد كان استعمالها في بعض الأحيان محدوداً على ميادين معينة دون غيرها. مثل استعمال الأساليب الاحصائية في تنقيح وتحليل النصوص الأدبية، إلا أن هناك شبه اجماع على أن أساليب العلم الطبيعي قد فشلت عندما استعملت في الدراسات والتحاليل النقدية والأدبية.
وسنعالج في بحث آخر بعض المشاكل التي برزت أثناء تطبيق أساليب العلوم الطبيعية على الدراسات الأدبية لأنها مشاكل تحتاج إلى تبصر وإلى الوقوف عندها بعض الوقت.
ولا مناص لنا بعد أن تحققنا من الفشل التقريبي لاستعمال الأساليب العلمية في الدراسة الأدبية إلا أن نرجع للأساليب التقليدية في النقد والتحليل الأدبي فقد كان للدراسات الفلسفية والفقهية والدينية واللغوية أساليبها الراسخة منذ أزمنة طويلة، وقبل التوصل إلى الأساليب والطرق العلمية الحديثة.
لقد طغت الانتصارات العلمية الحديثة بدون شك على انجازات القرون الماضية إلا أنها - أي الأساليب القديمة في الدراسة لا تزال مع هذا حقيقة واقعة ويمكن استخدامها مرة أخرى بعد ادخال التعديلات عليها وبعثها إلى عالم البحث والدراسة الحديثة. غير أنه لا مندوحة لنا من الاعتراف هناك اختلاف بين أساليب وأهداف العلوم الطبيعية والأعمال الأدبية والفنية وقد كان تحديد وتعيين هذا الفرق إحدى النقاط التي ثار عليها اختلاف وجدل فمثلاً عرف العالم الألماني ولهم ديلثي عام 1883 الفرق بين أساليب دراسة العلوم الطبيعية التاريخ والتاريخ يدخل ضمن الأعمال الأدبية - على أنه فرق بين التوضيح والفهم. فيقول ديلثي:
إن العالم ينظر إلى الحدث عن طريق النظر في مسبباته بينما المؤرخ يحاول أن يفهم معناه، والفهم الذي هو هدف المؤرخ لا يعدو أن يكون عملاً ذاتياً وفردياً. (وجاء ولهم وندلباند وهو أحد أعلام مؤرخي الفلسفة، بعده بعام ليهاجم الرأي القائل باستعمال أساليب العلوم الطبيعية في الدراسات التاريخية فالعلماء الطبيعيون في نظره يحاولون اكتشاف القوانين الطبيعية العامة الدائمة. بينما المؤرخون يهدفون إلى فهم كنه حدث فريد ونسيج وحده وانقضى ولن يعود مرة أخرى، أما في فرنسا فقد قام (كزينو بول) وأوضح الفروق بين العلوم الطبيعية التي تقتصر على التحقيق في الحقائق التكرارية والتاريخ الذي يهتم بالحقائق.
المتابعة المتوالية. أن أي استعراض عام لهذه المشاكل سوف يقودنا دون شك إلى مسائل أخرى متشعبة عنها مثل تصنيف أنواع العلوم، والخوض في فلسفة التاريخ والتعرض لما يسمى بنظرية المعرفة. ويجدر بنا هنا أن نلجأ إلى بعض الأمثلة التي توضح المشاكل التي تعترض سبيل الدارس للعمل الأدبي فلو سألنا أنفسنا لماذا ندرس أعمال شاعر كالمتنبي أو شكسبير مثلاً؟ وللإجابة عن هذا السؤال يجب أن نقرر منذ البداية بأننا لسنا مهتمين بالصفات التي يشارك كل واحد من هذين الشاعرين الكبيرين جميع البشر فيها. لأن دراسة أي رجل آخر قد تفي بالغرض الذي نريده حينذاك. ثم إننا يجب أن نهتم بدراسة معاصري واحد من الشاعرين أو ظروف العصر التي عاش فيها. إن كل همنا يجب أن يتركز على الصفات الخاصة بالشاعر التي أعطته طابعه المميز والتي جعلته يختلف عن سائر البشر، ومن هنا تبرز لدينا مشكلة ما يسمى بالفردية والقيمة. ويجب أن نضع نصب أعيننا أننا عندما ندرس عصراً من العصور الأدبية أو حركة أدبية معينة أو أدب أمة معينة، أن يكون اهتمامنا بالموضوع من الزاوية التي تفرض علينا النظر إليه ككيان منفرد ومستقل بذاته بما لديه من صفات ومميزات.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved