هناك اعتقاد سائد لدى كثير من الناس أنه كلما ارتفع دخلهم الشهري كلما ازدادت سعادتهم في الحياة... بينما الأبحاث الحديثة أثبتت فشل هذا الاعتقاد بنسبة 100% في المجتمعات الاستهلاكية المعاصرة، فقد أظهرت الأبحاث التي أجراها مركز قياس الأداء الاقتصادي في كلية الاقتصاد في لندن وتناولت العلاقة بين مستوى الدخل وانعكاسه على السعادة أن الذين يتمتعون برواتب ومصادر دخل عالية ليسوا أكثر سعادة من متوسطي أو محدودي الدخل. كما أثبتت نتائج الأبحاث بما لا يدع مجالاً للشك أن تعاسة الناس وشقاءهم تزداد في الدول المتقدمة ذات دخول الأفراد المرتفعة مثل أميركا، واليابان وبريطانيا والدول الاسكندنافية. وتخلص الأبحاث إلى أن ارتفاع الشعور بالتعاسة بدلاً من السعادة والرضا، بالرغم من ارتفاع نسب النمو والثروات في تلك الدول، يعود إلى عوامل عدة أهمها سهولة تحقيق الثروات في تلك المجتمعات، لأن ازدياد الثروة يصحبه ازدياد في التوتر وضغوط المسؤوليات التي تفرضها تلك الأموال، فرجال الأعمال والجراحون ومضاربو البورصة يجنون الكثير من الأرباح لأنهم الأكثر توتراً وانشغالاً بمتابعة أعمالهم، مما يؤدي إلى تضاؤل نسب شعورهم بالسعادة عموماً لأنهم لا يمتلكون الوقت الكافي للتمتع بأموالهم ويسيطر عليهم دائما هاجس مضاعفة الثروة يوماً بعد يوم من دون الاستمتاع بها. وخلصت الدراسة إلى أن مقياس حجم الثروة خاضع للمنطق الشخصي، فإذا شعر الفرد أن المحيطين به يجنون أموالاً أكثر منه فإنه سيشعر بأنه ليس ثريا مقارنة بهم، أما إذا اكتفى بمقارنة نفسه بمن هم أقل ثروة أو دخلا منه فإنه سيشعر بالثراء. وتدعو الدراسة في نهاية المطاف إلى المبادرة بتبني التقنيات الحديثة المتاحة لتسهيل أساليب العمل ليتمكن الفرد من تخصيص وقت أطول للعائلة وينصح بتخصيص وقت لممارسة بعض الهوايات والرياضة لإشباع الشعور بالسعادة وتقليل التوتر إلى الحد الأدنى، وتحقيق التوازن بين العمل والعائلة. وإذا ما شعر الفرد أن عمله والتفكير بالراتب يسيطر على مسار حياته بلا جدوى، فعليه التفكير جدياً بتغيير عمله أو الشروع في عمل خاص، وتفترض الدراسة أن معدل الدوران الوظيفي للموظف هو خمس سنوات، أي أن الموظف الطبيعي الذي لا يواجه أي مضايقات في عمله سيفكر بشكل تلقائي بترك عمله والانتقال إلى عمل جديد كل خمس سنوات مرة واحدة على الأقل وذلك بهدف التغيير والسعي نحو الأفضل واكتساب خبرات جديدة، وأن التضحية ضرورية أحيانا ببعض الامتيازات الاجتماعية والمالية التي يحققها العمل أحيانا من أجل تحقيق السعادة والتوازن الأسري. شخصياً، أتفق كثيرا مع النتائج السابق ذكرها، فكم من غني أشغلته أمور الدنيا والبحث عن تعظيم ثروته عن واجباته الأسرية والدينية هو تعيس لا يشعر بلذة السعادة أبدا، فكلما زادت ثروته كلما قلت سعادته. والشيء المؤكد لدى الغالبية أنه كلما زاد دخل الشخص كلما زاد إنفاقه فما كان يراه في السابق كماليا يصبح الآن ضروريا فبدلا من أن يركب سيارة بـ(50) ألفاً تجده يبحث عن سيارة بضعف قيمتها وهكذا. خاتمة: يشعر بالسعادة فقط من يغسل وجهه من الهموم ورأسه من المشاغل وجسده من الأوجاع.
|