بكى القلب والعينان والروح والقلمْ
بشعر ودمع من زفير الأسى ودمْ
وكيف يلام الثاكلون إذا بكوا
وحاق بهم حزن توشح بالسأم
بكوا فهدنا الغالي وقد ضمه الثرى
بكوا صاحب المجد المؤثل والشيمْ
بكوا نهر جود ما توقف دفقهُ
فخلت سهول الأرض تبكيه والقمم
أمات الذي ألقى بألقاب فخره
ليلبس تاج العز في خدمة الحرم؟
أمات الذي أهدى لطيبة روحه
ومصحفها السامي ومسجدها الأشم؟
أمات الذي صان الحمى ثاقب الحجا
وصدّ عن الإسلام مستأسد النقم؟
أمات الذي طارت إليه قلوبنا
وداداً لتلقى عنده الحب والكرم؟
أمات الذي ألقى شرايين قلبه
لنسعى على ديباجها الحرّ، وابتسم؟
فأشرق وجه الشمس من نور وجهه
وسار بنا للحق ما زلت القدم
وطار بنا فوق النجوم بهمة
تسامت معانيها على طامح الهمم
وأسكننا الجوزاء ما كلّ عزمه
وشدّ على أوتاد أضوائها العلم
ألا يا حمامات المطاف تأوهي
على من بنى عشاً على شرفة الشمم
وأهدى رياحين الرياض عبيره
ففاح الشذا، أما الندى نث وانسجم
إلى أين يا فهد المكارم إننا
فقدناك يا بحر الفضائل والقيم؟
فقدناك يا حضن اليتامى وروضة
من العطف تمحو الحزن والخوف والعدم
فقدناك يا من عمّ فضلك كل من
تمناه منا في الحقيقة والحلم
فقدناك يا من سرت بالشعب رافعاً
لواء المعالي من تمام إلى أتم
بكتك فلسطين السليبة ساعياً
لتحريرها من قبضتي غاصب غشم
بكتك ذرا البلقان كم بت ساهراً
لتخرجها من حالك الظلم والظلم
بكتك الكويت المستجيرة عندما
هزمت قوى الباغي وشيدت ما هدم
بكت صوتك العذب الشجي منابر
تزلزلها بالحزم والصدق والحكم
بكاك الذي أوفيت يوماً بنذره
فأفشى إلى الباكين بعدك ما كتم
وقال لقد سمى وأعطى وصوته
على مسمعي ينساب بالحب كالنغم
رفعت رجال الدين فازددت رفعة
سموت بنا علماً على سائر الأمم
فكم طالب للعلم في البيد لم تدع
له حاجة إلا وجزت بها العشم
وكم حافظ (للآي) في شرق آسيا
وفي غرب أمريكا تبتل واعتصم
وكم بائس فرجت كربة قلبه
وكم من مريض ذدت عن روحه السقم
وكم نخلة يا فهد يبكيك طلعها
فجرت لها الينبوع من صخره الأصم
لقد حار شعري فيك لم يبلغ الذي
بقلبي وحيرت القوافي والقلم
فإن غبت عن أبصارنا يا حبيبنا
ففي نبضنا تجري وفي الروح كالهرم
وإن غبت ما غابت مآثرك التي
ملأت بها الدنيا وأسمعتها الأصم
وإن غبت ما غاب (الهزبر) الذي مشى
على نهجك الوضاح ما هاب أو وجم
فها نحن بايعنا (أبا متعب) الذي
رأى منبع التوفيق في ساحة الحرم
تطوف بالبيت العتيق وقلبه
على ثقة بالله عوناً ومعتصم
ومرغ في ظل المقام جبينه
ليرقى بتوفيق الإله ويحترم
فكانت قلوب المسلمين وراءه
تؤمن والآمال تطفو على الألم
فنم في جنان الخلد يا فهد عزنا
فموتك قد أحياك لم يطوك العدم