يفيد العراقَ كثيراً أن يسارع قادته الحزبيون والطائفيون إلى إحباط مظاهر التوتر مهما كان نوعها، فهناك دائماً عناصر انفجار كامنة في النفوس تنتظر مَن ينزع فتيلها، ومع ذلك فإن إدراك عواقب التصعيد وتداعياته المريعة اللامتناهية يسهم كثيراً في تجنيب البلاد الكثير من المصاعب التي هي في غنًى عنها. وفي هذا المقام ينظر المراقبون بتقدير كبير لمحاولات صادقة في الصفين السني والشيعي لتجاوز تعقيدات حادث جسر الأئمة المأساوي على الرغم من التوقعات المتشائمة التي أعقبت الحادث. وسيكون مفيداً على الدوام أن يتحلَّى القادة العراقيون بروح التهدئة هذه، فهناك في تلك البلاد الكثير من العمل الذي يستوجب التحلِّي بمثل هذه الروح البناءة المسؤولة وسط هذه الفسيفساء المعقدة للبناء الاجتماعي والطائفي العراقي. وفي كل الأوضاع وفي كافة جوانب الأزمة العراقية يلزم وجود أشخاص يتمتعون بهذا الحس السياسي الذي ينطوي على قدر كبير من الوعي والذي يستلهم وقائع الأحداث على الأرض كما يُلمُّ بمختلف جوانب الأزمة ويدرك تطلُّعات الناس إلى الحياة الكريمة البعيدة عن ضغوط العنف والإرهاب. لقد كانت وقائع جسر الأئمة فاجعة بكل تفاصيلها، لكن المعالجات التي تمَّت حتى الآن تثبت أن مرارة الحادث لم تفلح في تفجير الأوضاع على الرغم من مسارعة البعض إلى محاولة استغلال ما حدث. وسيكون مفيداً للعراق بصفة عامة أن يتم التركيز في الدروس المستفادة من هذه المعالجات؛ فقد كانت هناك إشارات مهمة صدرت من بعض الأئمة عن وحدة الصف، فيما أشار البعض إلى إشراقات ظهرت حتى في أحلك ساعات المأساة عندما سارع سكان من الأعظمية السنية إلى تقديم يد المساعدة إلى الضحايا من الطائفة الشيعية، وقد تواتر تسجيل مثل هذه المبادرات الخيِّرة في عدة مواقع على تأكيد جديد بأن العراقيين قادرون على البقاء معاً مهما تكالبت المصائب التي قد يسعى بعضها إلى تفريقهم. إن الإصرار على إظهار روح التضامن والتآخي وتأكيدها كل حينٍ وآخر سيسهم كثيراً في توالي وتتابع المبادرات الخيرة، كما أن ذلك يتيح أن تتقدَّم النوايا الطيبة وتفرض حضورها على ما عداها من عناصر التوتر والصراع. وفي كل الأحوال فإن توافر مثل تلك النوايا من شأنه أن ينعكس بطريقة إيجابية على كافة المسائل مثار النزاع في العراق، وعندما تفلح القوى الوطنية في إظهار وتغليب مثل هذه النوايا فإنها تكون مؤهَّلة لتجاوز كافة المصاعب، وينبغي أن تُعطى الفرصة أو تسعى هي ذاتها لانتزاعها من كل دخيل يحاول أن يفرض مرئياته على أبناء الشعب الواحد، وهو حتماً سيسعى أولاً إلى تلبية طموحاته قبل أن يفكر في مصالح الآخرين.
|