Sunday 4th September,200512029العددالأحد 30 ,رجب 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"وَرّاق الجزيرة"

الوراقة والوراقون وبعض من أخبارهمالوراقة والوراقون وبعض من أخبارهم

الوراق هو الذي يمتهن حرفة الوراقة وهو الذي يقوم بنسخ الكتب.. والوراقة حرفة تشمل النسخ والتجليد وبيع الكتب وبيع الورق. وكانت بداية الوراقة من المساجد حيث حِلَق العلم، وفيها تم كتابة هذه الدروس العلمية في العصر الإسلامي الأول من الدولة الأموية حتى يومنا هذا، حيث شملت الكتابة أولاً كتب الحديث وعلوم القرآن واللغة والفقه، وكان يحضر تلك المجالس العلمية بين 300 - 700 فقيه وطالب علم، حيث ظهر ما يسمى بمجالس العلماء، حيث يتم إملاء الدروس فظهرت ما تسمى بالأمالي وأُلفت فيها كتب كثيرة جداً منها (أمالي السمعاني - وأمالي ابن حجر وغيرها) ثم ظهرت مهنة الوراقة موازية للنهضة العلمية المزدهرة في الإسلام وبرزت أكثر في عهود الدولة العباسية.. ونظراً لهذا الازدهار فقد ظهر مهنة النسخ الجديد تلبية لحاجة الكتب من قبل العلماء وطلبة العلم من جهة وللارتزاق والكسب من قبل النساخ الذين فرضوا أنفسهم على الساحة العلمية من حسن الخط وضبطه؛ لذا اتجه العلماء إلى هذه المهنة وطلبوا من النساخ نسخ بعض كتب العلماء كفعل الشافعي رحمه الله الذي طلب من النساخ نسخ كتب محمد بن الحسن أحد تلامذة أبي حنيفة؛ لذا فمهنة الوراق كانت مهمة حيث كانت الشريعة الإسلامية الأثر المباشر فيها من حيث نسخ القرآن الكريم والسنة النبوية ثم انتقلت إلى العلوم الأخرى. وصاحب مهنة الوراق تطور هائل فيها من النسخ أيضاً إلى التجليد، فقد اهتم النساخ بالتجليد إلى جانب الخط الجيد ومقابلة النسخ الجديدة بالأصلية التي تسمى اليوم بالمخطوطة وتشمل (الترخيص، والقراءة على المؤلف، وإجازته والسماح بالتداول). وأول من اشتغل بالنسخ وحسن الخط: خالد بن أبي الهياج المختص بكتابة المصاحف أيام الدولة الأموية، أما في الدولة العباسية فكثر منهم: خشنام البصري.أما الوراقون الذين اهتموا بنسخ الحديث النبوي فمنهم الخطيب البغدادي المصنف المشهور في الحديث، ومنهم الوراقون الإخباريون والرواة للأدب وأخبار العرب أمثال أبي سعيد الوراق وغيره، ومن الوراقين العلماء والأدباء أبو علي الرماني، وهناك صنف يدخلون في باب الوراقين وهم الوراقون الدلالون الذين يتوسطون في بيع الكتب (الدلال) ومن أشهرهم سعيد الأنصاري صاحب كتاب (زينة الدهر وعصرة أهل العصر)، وهناك الوراقون القضاة منهم أبو الليث الأصم.. وتعدد اسم الوراقين كالوراقين الشعراء والوراقين للأسمار والخرافات، وتبعاً لذلك ظهرت في عصر الدولة العباسية أسواق الوراقين حيث نشأت سوق الكرخ في الجانب الغربي من بغداد والثاني في شرقيها وهو سوق الرصافة وهو الأشهر، ونشأ تبعاً لذلك حوانيت الوراقين في هذه الأسواق والمعروفة بحوانيت بيع الكتب (وهي المكتبات التجارية الآن) ظهر فيها مع الزمن المسامرات والندوات الأدبية والطرائف والنكت، وكان الدلال يحرج على الكتب بل على مكتبات العلماء بعد وفاتهم فتباع بأعلى الأثمان مثل مسودة كتاب الأغاني التي بيعت بأربعة آلاف درهم.
وقد اهتم الأمراء المولعون بالكتب بشراء الكتب التي يهتمون بها، فقد بعث سيف الدولة الحمداني موفدا لسوق الوراقين ليبتاع له كتاب الأغاني ودفع ثمنه ألف دينار، وأحيانا عندما تعرض الكتب على الدلالين من الوراقين يختارون منها ما يصلح لهم ثم يعرضون الباقي للبيع.ثم انتشرت أسواق وحوانيت الوراقين في مختلف البلاد الإسلامية حيث كانت الأندلس واحدة من أشهر البلاد الإسلامية في الوراقة والوراقين، فكانت اشبيليه واحدة من كبريات المدن الأندلسية التي اشتهرت بكثرة الكتب وعلمائها، وكذلك قرطبة حيث قالوا هي أكثر بلاد الله كتباً.
بيع الكتب.. أخبار وطرائف
تزخر أسواق الوراقين ببيع الكتب، ويحدث خلال ذلك طرائف وعجائب.. فهيا نبحر معها:
ذكر صاحب نفح الطيب عن الحضرمي قال: أقمت مرة بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيها وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء إلى أن وقع وهو بخط جيد وتسفير (تجليد) مليح ففرحت به أشد الفرح فجعلت أزيد في ثمنه فيرجع علي المنادي بالزيادة إلى أن بلغ فوق حده، فقلت له: يا هذا أرني من يزيد علي في هذا الكتاب حتى بلغه إلى ما لا يساوي، قال فأراني شخصاً عليه لباس رياسة فدنوت منه وقلت له أعز الله سيدنا الفقيه إن كان لك في هذا الكتاب حاجة تركته لك فقد بلغت به الزيادة بيننا حده، فقال لي: لست بفقيه ولا أدري ما فيه ولكني أقمت خزانة كتب واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته ولم أبال بما أزيد فيه والحمد لله على ما أنعم من الرزق فهو كثير. قال الحضرمي فأحرجني وحملني على أن قلت له: نعم لا يكون الرزق كثيراً إلا عند مثلك يعطي الجوز من لا عنده أسنان، وأنا أعلم ما في هذا الكتاب وأطلب الانتفاع به يكون الرزق عندي قليلاً وتحول قلة ما بيدي بيني وبينهن. (نفح الطيب:463 -1).
يقول ابن رشد لأبي بكر بن زهر وهما طبيبان مشهوران بالأندلس أيام ازدهار الحضارة الإسلامية فيها: ما أدري ما تقول غير انه إذا مات عالم بإشبيليه لأريد بيع كتبه حُملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تِركته حملت إلى اشبيليه. ويذكر ابن بشكوال: أن قاضي الجماعة بقرطبة عبدالبر المُكنّى بأبي المطرف كان له ستة وراقين ينسخون له دائماً، وعندما توفي اجتمع أهل قرطبة لمدة عام كامل في مسجده لبيع كتبه في الفتنة والغلاء، وانه اجتمع فيها من الثمن أربعون ألف دينار قاسمية (الصلة:1- 310).
ومن الطرائف ما ذكر الثعالبي عن الوراق سذاب قال: قال المبرد وهو من مشاهير علماء النحو في اللغة العربية وأحد أعلامها البارزين (لم يندر علي أحد في لقبي - المبرد - كما أندر الوراق سذاب قال: اجتزت به يوماً وهو قاعد على باب داره فقام إلي وحياني وعرض علي القرى عرضاً غير سابري - أي لا إلحاف به - فقلت له: ما عندك؟ قال: عندي أنت وعليه أنا. وكان عنده لحم مبرد وعليه سذاب. قال: فضحكت منه ونزلت عنده) لطائف المعارف للثعالبي: ص:47.
وعن الصابئ قال: حدثني ابي عن جدي قال: كان أبو القاسم الجهني القاضي يشتمل على آداب يتميز بها إلا أنه كان فاحش الكذب يورد من الحكايات ما لا يعلق بقبول ولا يدخل في معقول، وكنا لا نخلو من حديثه من التعجب والاستظراف والاستبعاد.. فلما كان في بعض الايام جرى حديث النعنع وإلى أي حد يطول فقال الجهني: في البلد الفلاني يتشجر حتى يعمل من خشبه السلاليم. فاغتاظ أبو الفرج الأصفهاني من ذاك وقال: نعم عجائب الدنيا كثيرة ولا يدفع مثل هذا وليس بمستبدع، وعندي ما هو أعجب من هذا وأغرب وهو زوج حمام راعبي يبيض في نيف وعشرين يوما بيضتين فانتزعهما من تحته وأضع مكانهما صنجة (كفة ميزان) مائة وصنجة خمسين فإذا اتنهت مدة الحضان تفقست الصنجتان عن طست وإبريق أو سطل وكرتيب. قال فعمنا الضحك وفطن الجهني لما قصده أبو الفرج من الكنز وانقبض عن كثير مما كان يحكيه صبح الأعشى: 49:1.
والحديث يطول، لكن مَنْ أراد الاستزادة فعليه مراجعة الكتب التي تتحدث عن الوراقين وأخبارهم، منها على سبيل المثال:
1 - صبح الأعشى للقلقشندي.
2 - الوراقة والوراقون في الإسلام لزياد حبيب.
3 - وراقو بغداد ل د. خيرالله سعيد.
4 - الوراقة والوراقون في التاريخ الإسلامي للطف الله قاري.

كتبه: قبلا بن صالح القبلان

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved