صدم (بيرنار) بهذا التحول من اللطف إلى التهديد الذي بدا من المحقق فتراجع وأخذ يبدل من لهجته المتعالية ويتخاذل. بقي المحقق حائراً يشغل ذهنه وجوب التأكد من هوية صاحبة الجذع فإذا لم يهتد لمعرفتها واستمر (بيرنار) على إنكاره فلا يمكن اتهامه لأن القرائن الجريمية التي عثر عليها (لوثات الدم على قطعة السجاد، وعلى كم قميصه) ان كانت كافية لتكوين القناعة عنده فهي ليست كافية كمستند للإدانة، خصوصاً أنه لم يثبت بعد أن الجذع هو جذع امرأة (بيرنار) ثم عليه أن يجد بقية قطع الجثة وعليه أن يعرف هوية الجذع بأي ثمن. لذا قرر المحقق ملاطفة (بيرنار) والعمل بهذا الاتجاه ليستدرجه قبل كل شيء إلى التعرف على جذع امرأته. فسأله (ألا تعرف من يستطيع وضع جذع امرأتك في شارع لوزران حيث وجد؟) فأجاب (بيرنار) سلباً. فقال له المحقق (عليك أن تساعدنا وتشحذ ذهنك وأنت بحكم عملك في السينما لاشك شاهدت كثيراً من الأفلام البوليسية فلا تظن ما تخيله تلك الروايات عن عبقرية رجال الشرطة في كشف الجرائم صحيحاً. نحن نعتمد فقط على عقولنا وعلى مساعدة الأشخاص الطيبين لنا في التوصل إلى الحقائق. اصغ جيداً: لقد وجد جذع امرأتك في شارع لوزان وثبت لنا اختفاء زوجتك والنفور بينك وبينها. في هذه الحالة نحن مضطرون لاستجوابك ومن مصلحتك أن توضح لنا ما تعرفه عن سلوك زوجتك وعلاقتها، إذ من شأن ذلك تسهيل مهمتنا واكتشاف قاتلها ونحن لم نقل لك إنك أنت القاتل نحن نعتقد أن غيرك قد فعل ذلك. وعليك أن ترتاح الآن، وفي الصباح سنذهب بك إلى المشرحة للتعرف على جذع المرأة التي نحقق عنها، فالجذع الذي وجد بشارع لوزان هو جذع زوجتك. ألا تعرف من وضعه هناك؟). فأجاب (كلا لا أعرف من وضع جذع زوجتي هناك!). كانت بداية حسنة عندما قال (جذع زوجتي) ووعد أن يذهب ليفحص الجذع صباحاً فتركوه يرتاح إلى الغد وكانت الساعة قد بلغت الخامسة بعد منتصف الليل. في الساعة العاشرة عاد المفوض إلى مكتبه واستدعى (بيرنار) فوجده أصفر اللون مضعضع الحال، فأمر بنزع القيد من يده وأخذه تحت الحراسة إلى معهد الطب الشرعي حيث المشرحة. قبل الدخول إلى غرفة الأموات ترك (بيرنار) في حراسة الشرطة في إحدى الغرف ودخل المفوض لوحده إلى المشرحة وطلب الجذع فأتوه بجذعٍ يلتصق به فخذان وهو غير الجذع الذي وجد بشارع لوزان. حالاً جرى إخفاء هذا الجذع وبحث عن الجذع المقصود وآخر المفوض بسبب ذلك عملية التعرف على الجذع وعاد إلى الظنين وانفرد به وقالا له: أنا أريد بقية القطع لأنني أريد أن تتعرف على كامل الجثة وليس على قسم منها. عندئذ انهار (بيرنار) وقال (سأريح ضميري لقد قتلتها خلال مشاحنة احتدمت بيننا في البيت). فقاطعه المفتش كي يتابع قوله ولا يتوقف بقوله: نعم أنا أعرف هذا لكن أين بقية القطع؟. فأجاب (بيرنار): لقد ألقيت بها في قنال سان مارتان رزمتين واحدة فيها خمس قطع والأخرى أربع. ولما سأله كيف وجد الجذع في شارع لوزان أجاب بيرنار: (كنت ذاهباً به لإلقائه في مشواري الثالث إلى البحر فصادفت بشارع لوزان عند الفجر رجلين مقبلين من بعيد فخفت اكتشاف أمري فألقيته أمام أحد الحوانيت وعدت أدراجي). لقد كان من حسن التدبير عدم إدخال بيرنار إلى المشرحة قبل إيجاد جذع زوجته إذ إنه لو شاهد جذعاً آخر لجثة أخرى فلن يتعرف على الجذع وبالتالي سينكر الموضوع وتبقى القضية معقدة. عندما وجد الجذع المقصود أدخل بيرنار ولدى مشاهدته الجذع تعرف عليه بدون أقل انفعال، وقد جرى تسجيل عملية التعرف بموجب ضبط وقع من قبل بيرنار وموظف المشرحة، وكان منظراً مسلياً عندما طلب موظف المشرحة من بيرنار بوصفه زوج الضحية - وهو يجهل أنه القاتل - بكل إشفاق وترحم أن يأتيه بدفتر العائلة لاستكمال المعلومات والأوصاف في سجل المشرحة عن المرأة. بعد ذلك اتجهت الشرطة وبرفقتها (بيرنار) إلى القنال، وأشار إلى الموضع الذي ألقى فيه بالطردين، وعلى الرغم من البحث الطويل عنها من قِبل أحد البحارة لم يعثر عليهما، واضطر حارس القنال لتفريغها من الماء حتى تم العثور على الطردين في الضفة المقابلة للضفة التي ألقى بها الطردان. فُتح الطردان في مخفر النجدة ففاحت منهما رائحة كريهة جداً رائحة اللحم المتفسخ وكي لا يصاب المخفر بوباء أُغلق الطردان فوراً وأرسلا للمشرحة، وهناك جرى فك الرزم من قِبل بيرنار لأن العقدة التي كانت الرزم معقودة بهما لم يمكن لمستخدم المشرحة أن يعرف حلها واحال المفوض الأمر لبيرنار قائلاً له من ربطها يعرف أن يحلها وفعلاً قام المذكور بعملية فك الرزمتين. وأخرجت القطع وصفت إلى جانب الجذع فوق بلاطة عريضة وبيرنار ينظر إلى المنظر دون أن تختلج فيه خالجة. لقد استرعى انتباه المحقق ظاهرة غريبة: كان وجه الضحية أسود اللون تماماً فتأمله عن كثب ونظر إلى (بيرنار) نظرة متسائلة فأجاب هذا عن النظرة وبهدوء مخيف قائلاً: (لقد احرقت وجهها بواسطة بابور لحام كي تتعذر معرفتها). سجلت اعترافات المتهم الكاملة تفصيلياً بعد أن تعرف على جثتها في المشرحة وخلاصة إفادته على إثر مشاحنة حادة بينه وبين زوجته قذفها بقطعة وازنة من الحديد أصابت رأسها وقتلها ثم عمد إلى تقطيع الجثة عشر قطع بمساعدة سكين كبير ومنشار معدني ثم عمد إلى إخفاء آثار الجريمة فحث الجدران الملوثة بالدم وغير الورق الملوث بآخر جديد ونظف البقع المشبوهة. ولكنه نسى رشات الدم الدقيقة التي سقطت على طرف السجاد في مدخل الغرفة المعتم بعض الشيء ففاتته رؤيتها ولم يجد ضرورة لاتلاف القميص الذي تلوث كمه بالدم لزعمه أن وجود دماء على ساعده يبرر وجود هذا الدم. لقد فاته أن المحقق سيلاحظ أن البقع المشبوهة لم تكن داخل القميص بل خارجه. وهكذا لم يحسب حساباً لكل شيء فانكشف أمره. عندما تليت مذكرة التوقيف على مسمع (بيرنار) سأله المحقق (ألا تزال مصراً على اتهامنا بأننا نجبرك على اعتراف بجرم لم تقترفه للتفاخر بأننا اكتشفنا المجرم؟) فأجاب هذا خافضاً رأسه وطلب السماح عما بدر منه. ثم صافح المحقق وأخذ ينشج بالبكاء لأول مرة وأصدرت محكمة جنايات (السين) حكمها بحقه: الأشغال الشاقة المؤبدة..
- عن المجلة الجنائية الدولية - 1967 عدد (3) |