لم يكتف الملك عبد العزيز بإنابة نجله الأمير آنذاك - الملك فيصل - للتوقيع على ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وإنما من باب حرصه واهتمامه بقيام هذه المنظمة الدولية فقد وجَّه - رحمه الله - بأن يتولى هذه المهمة وفد كبير يرأسه فيصل بن عبدالعزيز ويضم في عضويته أنجاله: محمد بن عبدالعزيز وفهد بن عبدالعزيز ونواف بن عبدالعزيز وحفيده عبد الله الفيصل ومجموعة أخرى من كبار المسؤولين بالدولة، وكان ذلك التوجيه قد صدر في العام 1945م. والمملكة بما لها من ثقل ووزن ومكانة سياسية، كانت - بالمناسبة - قد اختيرت آنذاك وبعد توقيعها على ميثاق الأمم المتحدة لتتولى إلقاء كلمة الدول النامية نيابةً عنها، ويومها أكَّد الملك فيصل في كلمة ارتجلها من منصة الأمم المتحدة على أهمية دعم السلام في العالم، منادياً بضرورة خلق منظمة قادرة على المحافظة على السلام والعدل. *** وكانت هناك الكثير من الأفكار التي طرحها الفيصل.. ووجهات النظر التي قالها وما زالت تصلح إلى اليوم للاسترشاد بها في معالجة ما تعانيه بعض الدول والشعوب من أوضاع مأساوية. وهو يرى - رحمه الله - في ميثاق الأمم المتحدة بأنه بمثابة ميثاق للسلام والعدل، وإن استدرك وقال إن هذا الميثاق لا يمثِّل الكمال الذي تتطلع إليه الدول الصغرى، وبخاصة - كما يقول الفيصل - أن كثيراً من هذه الدول عانت كثيراً وهي تناضل من أجل الحرية والتحرر من العبودية. *** وترى المملكة، والكلام للفيصل بعد أن وقع على الميثاق: إننا بتأسيس المنظمة نكون قد وضعنا حداً للظلم والطغيان والأنانية والجشع في هذا العالم. ما أريد أن أقوله: إن المملكة بقيادة الملك عبد العزيز كانت وفية لمسؤولياتها ومخلصة لما التزمت به، وهي اليوم مثلما كانت قبل نصف قرن من الزمان، هي ذاتها الدولة التي تحترم ما اتفقت أو وافقت عليه، وأنها لم تتغيَّر أو تتبدل في سياساتها ومواقفها إلا بقدر ما يستجيب ذلك مع مصالحها ومصالح الآخرين. *** لقد جاء انضمام المملكة إلى هيئة الأمم المتحدة مبكراً وسابقاً لدول أخرى كثيرة، لأن قيادتها منذ ذلك الحين وإلى اليوم لم تر في بنود وثيقة إنشاء الهيئة ما يتعارض مع تعاليم الإسلام الخالدة، وأنها في مقابل ذلك تفهمت ما نصت عليه الوثيقة من تصميم على حفظ السلم والأمن الدوليين اللذين ينسجمان مع توجهات وسياسات المملكة ويندرجان ضمن أهدافها المعلنة. فضلاً عن أنها رأت في ميثاق الأمم المتحدة بأنه يضم الكثير من المبادئ التي لا تتعارض مع مصالح بلادنا، ومنها معالجة المنازعات بين الدول بالوسائل السلمية، والتأكيد على امتناع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة، مع استعداد الهيئة للتدخل لمنع أي عدوان يخل بالسلام، وكذلك تنمية العلاقات الدولية بين الدول، وتعزيز واحترام حقوق الإنسان، وما إلى ذلك.. *** وباختصار، فإن المملكة وهي جزء من هذا العالم، معنية باستقراره وازدهاره، ومن مصلحتها أن تتعاون مع الجميع، وأن يسود علاقاتها الدولية الوئام والتعاون المشترك، وهي بذلك إنما تحرص على استثماره بما يعود عليها وعلى غيرها بالخير الوفير. وكل هذا يتطلب - ولا شك - من قادة العالم شيئاً كثيراً من الحكمة في التعامل، والحرص على تجنب ما يثير النزاعات والقلاقل والخلافات، وصولاً إلى تحقيق ما تسعى إليه الدول من أهداف خيِّرة، وبخاصة تلك الدول - وبينها المملكة - التي تعي مسؤولياتها، وتقدِّر حجم الأضرار حين تتخلَّى عما يعد من الثوابت التي ينبغي أن تتمسك بها حتى تضمن الاستقرار لجميع دول العالم.
... وغداً نواصل الحديث |