Monday 12th September,2005 12037العدد الأثنين 8 ,شعبان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

مفهوم الدولة مفهوم الدولة
د. عبدالرحمن الحبيب

كلما مرت المنطقة العربية بأزمات سياسية حادة، يعاد طرح أسس ومبادئ عامة ومناقشة مفاهيمها من جديد، ولكن ربما دون تجديد. وتعاني كثير من المجتمعات العربية أزمة في بناء مشروع أو مؤسسة الدولة، بل لا يزال بعضها لم يتم التأكيد أو الاتفاق بين كثير من قطاعاتها حول مجرد شكلها الخارجي وهيكلها الفيزيقي وحدودها الإقليمية (العراق، لبنان، السودان، الصومال..).
يرى بعض المفكرين الغربيين أن عدم استقرار كثير من الحكومات في البلدان النامية هو نتيجة لعدم تحديد مجتمعاتها لمفهوم الدولة والأسس والأنماط المعيارية (أخلاقياً وتنفيذياً) التي تحكم المجتمع، حيث لا يزال الصراع مستمرا لتحديد هذه الأسس. ويرجع البعض ذلك إلى أنه بعد الاستعمار انبعثت الدولة في كثير من مناطق العالم الثالث كمفهوم قانوني لها شرعية دولية، رغم عدم توافر العوامل الاجتماعية والتنظيمية والاقتصادية التي تتطلب نشوء دولة كحقيقة واقعة، بينما في الغرب، مثلا، نشأت الدول ككيانات اجتماعية اقتصادية سياسية عسكرية ثم حاولت أن تحصل على اعتراف قانوني يشرِّع وجودها.. ومن ثم فإن ذلك أعاق بعض دول العالم الثالث من إنتاج عوامل ولادتها الطبيعية وبناء دولة فعلية.
كما يرى البعض أن فكرة الدولة ذاتها في الفكر السياسي العربي الإسلامي الحديث، كانت فكرة ايديولوجية وليست مشروعاً معرفياً نهضوياً حقيقيا (عبدالرحمن الحاج). يضاف إلى ذلك، أن الخلط بين مفهومي الخلافة الإسلامية والدولة الوطنية الحديثة، وكأنهما مفهوم واحد، كان عاملا مساعدا في الالتباس في مفهوم الدولة الحديثة في المنطقة العربية (الحاج، الأيوبي، غليون..). فصياغة نظرية الخلافة تعود إلى القرن الخامس الهجري وما تلاه، أي بعد تدهور مؤسسة الخلافة في الدولة العباسية (الماوردي ت 450، الغزالي ت 505، ابن جماعة 732هـ). وباستثناء طروحات ابن خلدون، فإن هذه النظريات تبلورت كأفكار مثالية حول ما يجب أن يكون وليس كدراسة وصفية لما هو قائم بالفعل؛ لأن القائم كان متدهورا مع تزايد حركات المعارضة من جانب فئات الشيعة والخوارج والمعتزلة (نزيه الأيوبي).
من المهم التمييز بين الدولة والأمة والحكومة، فالدولة، باختصار شديد، كيان سياسي وإطار تنظيمي يوحد المجتمع، وموضع السيادة فيه، وتملك سلطة إصدار القوانين والسيطرة على وسائل الإكراه وتأمين السلم الداخلي والأمن من العدوان الخارجي. وتتفاوت تعريفات الدولة في الفكر السياسي الغربي، عن هذا التعريف التقليدي. وأهم التحديات لهذا المفهوم هو الطرح الماركسي الذي يرى أن الدولة والمجتمع شيء واحد، حيث الدولة تعبير سياسي لسيطرة طبقة اجتماعية معينة، وأن الدولة الرأسمالية الحديثة هي امتداد للطبقة البرجوازية الغنية تمثل مصالحها وتضع لها قوانين وتشريعات. والدولة لدى الماركسيين هي أعلى تعبير سياسي عن الرأسمالية كنمط إنتاج. ومهما يكن من أمر فيمكن تلخيص مفهوم الدولة اللبرالية الحديثة بأنها العقد الاجتماعي (دولة القانون والمؤسسات) وحقوق المواطن.. فهي سلطة عامة منفصلة عن الحاكم والمحكوم، تمثل أعلى السلطات السياسية. وبتلخيص مفهوم الدولة الحديث نجد أنها تتميز كمفهوم مجرد (غير شخصي) مستقل عن المجتمع بتقسيماته الطبقية والطائفية، وباستثناء الانتخابات التي تمثل صلة بين الدولة والمجتمع، فإن الأولى ترتفع فوق المجتمع على قاعدة قانونية موضوعية مسبغة عليه الشرعية والعقلانية مستندة على مبدأ الوحدة والمركزية وتوزيع الاختصاصات.
يتفق قطاع كبير من المؤرخين على أن مفهوم الدولة الحديثة ظهر مع كتابات مكيافيللي (ق 16). ذلك يعني أن المفهوم المحدد للدولة لم يظهر في العصور الوسطى ولا ما قبلها، رغم أن كلمة (دولة) ظهرت في الفكر السياسي الإسلامي وغيره، لكنها كانت مصطلحا فضفاضا يراد به عدة مفاهيم، فأحياناً هي مرادف للحكومة أو النظام السياسي أو كوزارة أو قضاء أو زعامة وقيادة (دولة بني مروان، بني عباس، بنى الأحمر..).
وتطورت فكرة الدولة في أوربا من خلال تطور الفردانية ومفهوم الحرية المرتبط بها. فتفتيت المجتمع إلى وحدات (أفراد) يتمتعون نظرياً بالحرية في مواجهة بعضهم البعض هو الذي سمح بتطور مفهوم الدولة ككيان يتعامل مباشرة مع الفرد بصورة قانونية لا شخصانية، وإن كانت فردية تقوم على احترام حقوق الفرد في الأمن والملكية والاعتقاد.. أما في أدبيات الفكر السياسي الإسلامي فإن التشديد هو على الجماعة (يد الله مع الجماعة)، وعلى العدالة (العدالة أساس الملك)، ولا يحظى موضوع حقوق الفرد أو مفهوم الحرية المرتبط به باهتمام كبير. وحيث إن مفهوم العدل نسبي يختلف في التطبيق من حالة إلى أخرى، تطلب ذلك وجود حاكم صحيح الإيمان راجح العقل يتميز بقدرات تفوق غيره.. ومن ذلك أن معظم الكتابات حول الخلافة تركزت على ما يجب أن يتوافر في الخليفة من صفات وخصال (الماوردي، المرادي، ابن جماعة..)، وفي موضوع الحقوق تقسم غالبا إلى حقوق للإمام وحقوق للجماعة، وقلما يشار لحقوق الفرد (نزيه الأيوبي، حامد ربيع).
هل من الضروري اتباع النمط الأوربي لتأسيس دولة حديثة ناجحة؟ يذكر المفكر الياباني أن تجربة بلاده تجيب بالنفي على السؤال، ويوضح أن اليابان ليست الممثل لكل الدول غير الغربية.. فهناك أنماط أخرى، وأن كلا من المجتمعات لها نمط خاص، وعند الاندماج العالمي الذي يسيطر عليه الغرب لا بد من أخذ هذه الأنماط الخاصة بالاعتبار. إذن، من المهم تكثيف الدراسات العلمية لتطور المجتمعات العربية وعلاقة الأفراد والجماعات مع مفهوم الدولة ومدى تمثيلها له؛ كي لا يحدث انجراف خلف نماذج جاهزة (قديمة أو حديثة) قد لا تناسب طبيعة كل مجتمع على حدة. ومن المهم هنا دراسة المصادر التاريخية في النظم السياسية المتوافرة في أدبيات الفكر السياسي الإسلامي، ومعرفة كيف عبرت هذه الأدبيات عن أوضاعها وظروفها، لنتمكن من مواءمة ذلك مع حالاتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
ومن هنا علينا أن نسأل أو بالأحرى نعيد الأسئلة التي يتم الترويج لإجابة جاهزة ومفصلة لها، وحشر نماذج قسرا في واقع غير ملائم.. مثل تلك التي عن الحقوق العامة والخاصة، العدالة الاجتماعية، الديمقراطية، مؤسسات المجتمع المدني، الفصل بين السلطات.. إلخ، وليس بالضرورة نجيب بطريقة نخالف بها غيرنا أو نتفق معه تماماً، إنما المهم هو مقاربة مجتمعاتنا ومتطلباتها بطريقة ملائمة قريبة من واقعنا وحاجاتنا.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [خدمة الإنترنت] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved