في ظل الزلزال السياسي - العسكري الذي يعصف بالوطن العربي منذ سنوات، هذا الزلزال الأمريكي- الصهيوني الذي يهدد، بل هو يتسبب في انهيارات شاملة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، أي على المستوى الحضاري والوجودي للأمة العربية، في ظل كل هذا نتساءل عن الأسباب التي قادت وتقود إلى هشاشة الوضع العربي واستعداد الدول العربية، منفردة ومجتمعة، للمزيد من التنازلات أمام الزلزال، ما الذي يجعل الأمة على هذا القدر من الضعف؟ ولماذا كان مجرد الانسحاب الصهيوني من غزة باباً لمزيد من التطبيع مع هذا العدو على الصعيدين العربي والإسلامي، إضافة إلى الصعيد الدولي طبعا؟ وما تأثير هذا التطبيع على مجتمعاتنا العربية وعلى الإنسان العربي والأسرة العربية؟ بالطبع هناك جذور الصراع العربي الصهيوني المعروفة، منذ وعد بلفور واتفاقيات سايكس بيكو وسواهما لتقاسم النفوذ في العالم، والتي وضعت وطننا العربي في مهب العواصف، مروراً طبعاً بنكبة العام 1948م ونكسة 1967م و1973 و1982 و1991 و2002.. الخ من هزائم وانهيارات طاولت كل مفردات حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كل ذلك جرى في اعتقادنا لأسباب أبرزها وجود خلل كبير في بنية المجتمعات العربية على مستوى البنية الاجتماعية والسياسية خصوصاً. إن غياب الديمقراطية عن هذه المجتمعات حرمها من وجود حياة سياسية يشارك فيها الجميع على قدم المساواة. وقد أدى هذا بدوره إلى غياب البنية الاجتماعية القائمة على العدل والمساواة وحرية التعبير والعلاقات. وبغياب مثل هذه البنية فقدت المجتمعات العربية مقومات قوتها وبقائها وتطورها، لنعيش وننتقل من مأساة سياسية وعسكرية، إلى المآسي الاجتماعية والاقتصادية المتمثلة في الفقر المدقع من جهة، وحياة البذخ والاستهلاك من جهة مقابلة، والمتمثلة كذلك في انتشار أمراض اجتماعية ليس تفكك الأسرة العربية سوى واحدة من نتائجها الكارثية. هناك تأثير لظاهرة العولمة بالتأكيد، فهي عامل من عوامل انهيارات كثيرة أصابت العالم كلّه، ولكن بدرجات وبحسب قوة هذا البلد أو ذاك.. أو ضعفه. لكننا لا نستطيع تحميل العولمة أسباب الخراب كلّها. فهناك دول تزدهر ولو نسبياً. ولذلك لا بد من رؤية الخلل الداخلي الذي يسمح للعولمة وسواها من العوامل الخارجية بلعب دور في تفكيك مجتمعاتنا، ويسمح للصهيونية باختراق دفاعاتنا وحصوننا والدخول إلى غرفة نومنا. ولعل من الواجب الإشارة هنا إلى أن التبعية للرأسمالية العالمية لم تبدأ اليوم، فهي قديمة قدم نشوء الكثير من الدول العربية أو ما سمي (استقلالها)، وهي تبعية تتجاوز عنصر الاقتصاد إلى التبعية السياسية والثقافية بالنسبة لكثير من دولنا ومجتمعاتنا وأنظمتنا الحاكمة. وبالمثل فإن تطبيع العلاقة مع الدولة الصهيونية لم يبدأ في العام 1979م مع زيارة السادات إلى القدس، بل سبقت ذلك علاقات (سرية) جعلت هذا الكيان قادراً على التغلغل في حياتنا السياسية، والدخول إلى ثقافتنا التي ظلت عصية على التدجين حتى وقت قريب، حيث وجد المثقفون أنفسهم أنهم يعيشون على الهامش، ومن ظل على مبادئه وأفكاره يتهم بالرجعي أو بالإرهاب ومعاندة حركة التاريخ ومناخات السلام.. هذه المناخات التي لم تخدم العرب، بل أضرت بمصالحهم وثقافتهم وبنية مجتمعاتهم لصالح تقوية الكيان الصهيوني. ومن هنا فإن المزيد من التطبيع مع هذا الكيان والمزيد من الانصياع لشروط العولمة ومؤسساتها، يعنيان المزيد من التشرذم العربي، والمزيد من الأمراض الاجتماعية، والمزيد من المخدرات التي تهدد مجتمعاتنا، والمزيد من البذخ والاستهلاك على حساب المواطن ذي الدخل المحدود أو المهدود. والمزيد من تفكك الأسرة الذي يعني بدوره مزيداً من تفكك المجتمع. ولعل أكثر من يعاني من هذه الأمراض ويواجه نتائجها هو المجتمع الخليجي الذي لعبت الطفرة النفطية دوراً في خلق حياة استهلاكية فيه، وكان لوجود هذا العدد الكبير من الجنسيات فيه دور أساسي في تهديد منظومته الاجتماعية وقيمه ومبادئه، لكن خطر العولمة على مجمعاتنا، وكذلك خطر التطبيع وما يمكن أن يجره من حضور للدولة العبرية وقدرة على التدخل في كل صغيرة وكبيرة في بلادنا، هما الخطران الأكبر والأشد. العولمة الأمريكية استطاعت اختراق وعي العالم كلّه، ولكن هناك من لا يزال يقاومها حفاظاً على هويته وأخلاقه، وهناك إمكانية عربية للمقاومة حين يقوم كل إنسان بدوره، فهذه الفضائيات والإعلام الأمريكي الصهيوني تفرض رؤية للعالم تنسجم مع مصالحهما معاً، وهناك إعلام غربي يساند هذه الرؤية وآخر يقاومها. فعلى إعلامنا أيضاً أن يتحمل مسؤوليته في خلق رؤية تتلاءم مع مصالحنا وتوجهاتنا العربية. وبخصوص التطبيع نشير إلى أننا في دول تعيش بعيداً عن أرض الصراع الواقعية (فلسطين) وليس هناك ما يبرر العلاقة مع الكيان الصهيوني سوى التبعية والرغبة في الحصول على رضا البيت الأبيض. فهل نحن في حاجة ماسة إلى ذلك التطبيع وهذا الرضا؟ ما العمل في ظل هذه الظروف والمعطيات التي لا تقود سوى إلى المزيد من الهزائم؟ ربما كان العمل الوحيد الممكن هو عمل مؤسسات المجتمع المدني وجمعيات مقاومة التطبيع وكذلك جمعيات مقاطعة البضائع الأمريكية التي عليها أن تأخذ على عاتقها الكفاح من أجل تفعيل نشاطها كل في مجالها، وعدم الرضوخ لمشاعر اليأس والإحباط التي أصابت الإنسان العربي في ظل الهزائم والتنازلات المريعة التي تقدمها الأنظمة الحاكمة في كل سياساتها في العلاقة مع أمريكا والكيان الصهيوني. كما أن على هذه المؤسسات وسواها القيام بدور في تعزيز الدعوة إلى الديمقراطية والحياة السياسية والحريات العامة، بما يفرض احداث التغيير الاجتماعي والسياسي من الداخل في مواجهة دعوات التغيير الموجهة من الخارج. لأن هذه الدعوات الخارجية لا هدف لها سوى ابتزاز أنظمتنا الحاكمة لتقديم المزيد من التنازلات، فقد تبيّن أن أمريكا يمكن أن تدعم أكثر الأنظمة دكتاتورية ان كان ذلك يخدم مصالحها، ويمكن أن تحارب أكثرها ديمقراطية حين تتعارض مع تلك المصالح. ومن بين مؤسسات المجتمع المدني نخص بالذكر المؤسسات الناشطة في مجال العمل النسوي، فهي مطلوب منها مزيد من التنشيط والتفعيل لدورها في مقاومة الأخطار التي تواجهها مجتمعاتنا، وخصوصاً على صعيد المخاطر التي تتهدد الأسرة والمجتمع، فالمرأة العربية رغم كل ظروفها الخانقة تملك الكثير لتقدمه في مجال حماية الأسرة والفرد من التمزقات والتشوهات والأمراض التي تطرقنا إليها. وللمرأة الخليجية دور سياسي وتوعوي عليها القيام به لتوعية المجتمع بطبيعة الهجمة الخارجية وكيفية مواجهتها.
* كاتبة وباحثة ورئيسة رواق عوشة بنت حسين الثقافي - دبي
|