في ضحوية الجاسر يوم الخميس، ألقى الأستاذ عبدالفتاح أبو مدين رئيس النادي الأدبي بجدة محاضرة بعنوان: ( بين الآنسة (مي) وولي الدين يكن). وفي المحاضرة التي أدارها معالي د. أحمد الضبيب، وحضرها لفيف من المثقفين والأدباء تحدث المحاضر عن علاقة الآنسة مي زيادة صاحبة الصالون الأدبي الشهير وبين الشاعر والسياسي والمثفف التركي الأصل العراقي المنشأ (ولي الدين يكن). وفي البداية عرف المحاضر تعريفاً موجزاً بكل من (مي زيادة) الأديبة اللامعة موضحاً أن أسمها الحقيقي: ماري بنت إلياس زيادة، وأن أباها من أهل كسروان بلبنان، ولكنها ولدت في مدينة الناصرة بفلسطين، ثم استقر أبواها في مصر، ومن هناك برزت كأديبة لامعة وكاتبة ذائعة الصيت، مع إجادتها لعدد من اللغات الأجنبية إضافة إلى لغتها العربية، وألفت عدداً من المؤلفات الأدبية، مثل: باحثة البادية، وبين المد و الجزر، وسوانح فتاة، والصحائف، وكلمات وإشارات، وغيرها، لكن صالونها الأدبي الشهير في القاهرة كان صاحب الفضل في شهرتها واهتمام أرباب الفكر والأدب بشخصيتها. وقد توفيت (مي زيادة) في مستشفى المعادي بالقاهرة سنة 1941م، بعد أن تعرضت لأمراض نفسية بعد وفاة والديها، ودفنت بالقاهرة. ثم استعرض المحاضر عدداً من المؤلفات التي تناولت شخصيتها وصالونها وعلاقتها بأبناء جيلها من كبار الأدباء والكتاب. كما تحدث المحاضر أيضاً عن شخصية (ولي الدين يكن)، فذكر أنه أديب وشاعر موهوب إلا أنه لم ينل ما يستحقه من الذيوع الأدبي، ولم يكن له حظ من الشهرة مع ما كان يتميز به من أسلوب فريد في الكتابة والإنشاء، فضلاً عن مكانته الشعرية التي جعلته واحداً من الشعراء المعدودين في جيل فطاحلة الشعراء. وقد تحدث المحاضر عن ديوانه الشعري، وعن مؤلفاته الأدبية مثل:( الصحائف السود)، و(التجاريب). وقد توفي ولي الدين يكن في شهر أبريل سنة 1921م ودفن في القاهرة. بعد ذلك تحدث المحاضر عن لب الموضوع الذي هو علاقة (مي زيادة) ب (ولي الدين يكن)، مشيراً إلى أن إعجاب كل منهما بالآخر، واحترام كل منهما لمشاعر الآخر، مع ما تبديه الآنسة مي لولي الدين يكن من العطف الشديد على أديب رقيق مريض يستحق الحنو والإشفاق، وما كان يبديه هو نحوها من التعلق والاعجاب بفتاة تحمل كل ما يدعو إلى محبتها والتشوق إليها كونها فتاة تملك الجمال الجسمي والعقلي، وتتميز بثقافة رفيعة وكرم في الطباع، وحلاوة في الحديث والتعبير، وعطفاً وحنواً على أصدقائها، وخاصة من الأدباء مثل ما فعلت مع يكن من خلال متابعتها لحالته الصحية عندما لازم فراش المرض، واطمئنانها على أخباره المرضية يوماً بيوم. وكان هو يكتب لها، ويصف لها أحواله ومشاعره بصدق، مستخدماً الشعر أحياناً، والنظم أحياناً أخرى، في عبارات مؤثرة تشرح ظروفه المرضية، وإحساسه بدنو أجله، ومن ذلك قوله:
أُمْحَى وتُثبتُني الشقاوه كارهاً مثل الكتاب يكابد التبييضا عُوّدتُ أمراضي وطولَ تألمي حتى كأني قد وٌلدت مريضا |
ومثل هذين البيتين اللذين أرسلهما لها في إحدى المرات، وفي آخر أيام مرضه:
مُت يا ولي الدين مُتْ ما ثَمَّ من يبيكيكا وَدَّع حياتك هذهِ ما ذقته يكفيكا |
ثم بعد ذلك استعرض المحاضر نماذج من أشعار ولي الدين يكن، وخصوصاً أشعاره الغزلية الموجهة في أكثرها إلى الآنسة مي تلميحاً أو تصريحاً. ومن تصريحه في حبها قوله عندما سمع أنها مريضة:
أَتَسْقُمُ مّيُّ وأبقى صحيحا ألا إنني الصاحبُ الخائنُ وكقوله في قصيدة أخرى: اسهري الليل واذرفي مثل دمعي واذكريني إذا ذكرت عليلا قد علمتُ الوفاءَ فيك ولكن ليس يرتاح من أحب جميلا |
وكقوله عندما أهدى إليها صورته وكتب تحتها:
كُلُّ شيء يا ميُّ عندكِ غالٍ غير أنيَّ وحدي لديكِ رخيصُ |
وبعد انتهاء المحاضرة علق عليها عدد من رواد الخميسية وضيوفها، كما كانت هناك مداخلات واستفسارات كثيرة تنم عن تفاعل الحضور مع هذا الموضوع الشيق الذي زاده المحاضرة تشويقاً في حسن ترتيبه واختياره.
|