عبث أن يبحث الإنسان عن حلمٍ تضخَّم ثمَّ حلَّقَ بعيداً عن مساره، وعبثٌ أن تتشكَّل أحلام الإنسانِ بعيداً عن أقرب وريد ينبضُ بعزمه، وهمَّته، ورغبته.. ضربٌ من المحال أن يقبضَ الإنسانُ على حلمٍ لم يتشكَّل من عجينة حماسه وإرادته.. الحلمُ الذي يتكوَّن في لحظةٍ... لا يتحقَّقُ إلاَّ في مراحل لحظاتٍ... فمن يقول إنَّ الحلمَ كونٌ مهيَّأ دون أن يتحوَّلََ الحلمُ إلى كيانٍ ماثلٍ... حين يكون الحلمُ مؤونةً للخيالِ.. يصبحُ الإنسانُ عبثياً تحلِّق به أطراف الهواء وحين يمتزج بالرِّيح في أعطافِ إعصارها متلبِّساً بحلمه لا ينفصلُ عنه، تأخذه موجةٌ وتعود به أخرى، ويتدوَّم مع الرِّيح ويعود مع أطرافها.. دون أن يفقد الحلمَ الذي يصارعُ به وله.. فإنَّ ثمَّة أملاً في عودة الحلمِ أخيراً إلى واقعه... ربَّما لا يحلو لإنسانٍ ما أن يتلمَّسَ الأرضَ ويحلو له أن يعايش السَّماء.. تلك تراحيب منافذ الأحلام لكنَّها موبقاتها، فحين يفيقُ لحظة، فإنَّ فراغاً يحتويه لا هو في أرضٍ ولا في سماءٍ... البينيَّة حيث نتائج الأحلام غير المحققَّة، بينيَّةٌ ساحقةٌ للإنسان... الأحلامُ ليست سراباً، كما أنَّ السَّراب ليس هلاماً إذ هو من حقيقة...، وحيثُ يُدهشُ السَّراب عينَ الوصولِ حين تمثلُ في المكان فإنَّ الحلم الذي يعبثُ بزمن الإنسانِ، لن يدهشه بل يسحقهُ حين لا يجدُ في كفِّه زمناً يؤوبُ فيه إلى زمنه... الحلمُ عابثٌ خطير... والحالمون يحسبون أنَّهم طيوفٌ قادرة على الدَّهشةِ المثرية بينما هم من يصنعون الفجيعة المبكية. فالذين يحلمون بالمدن الفاضلة عابثون... ربَّما يخدِّرون طموحات الإنسان وهمَّته... كالحالمين بمجتمعٍ يقرأ... تكون عادة المرءِ فيه تمثِّلُ نهمَ التَّوجُّهِ للاكتساب..، فيما هم يقولون كلاماً.. كلاماً يصنعون أحلاماً ويبنون بها مدناً يملؤونها عصافير أفكار ملوَّنة وأوراق أشجارٍ منحوتةٍ بحروفٍ من النُّور.. ثمَّ... يعبرُ الزَّمنُ.. والكلامُ كلامٌ... هلامٌ من الحلم... لا أرضاً بلغ ولا سماءً صعد... فتهوي الأحلام تتساقط... وكفوفُ الحالمين خواءُ...!!
|