يخشى العلماء من ان يتحول مرض انفلونزا الطيور - الذي مازال حتى الآن منحصرا في جنوب شرقي آسيا- إلى وباء يقضي على أكثر من مئة مليون من البشر إذا لم تحسن المنطقة التي يتفشى فيها التعامل مع المرض، ويشبه المرض بذلك حالات انسانية عديدة تفشل جهات معينة في التعامل معها ما يسهم في انتشارها أو استشراء آثارها في أنحاء أخرى من العالم، ما يعني أن العالم معني بأن ينظر إلى المصاعب التي يواجهها البشر أينما كانوا، نظرة اكثر اتساعا واكثر شمولا.. فإذا اخفقت القوى الدولية في التصدي لمرض انفلونزا الطيور في منطقته التي ينتشر فيها الان بسبب عدم الاهتمام أو لبعد المنطقة عن المراكز الحضارية الكبرى في العالم التي تملك الامكانيات المادية والبشرية العلمية، فإن الصيحة التي أطلقها العلماء مؤخرا تنذر بأن تدخل حتى العواصم الكبرى في العالم ضمن دائرة انتشار المرض ويومها قد لايسعف الوقت في اتخاذ اجراءات تكفي لانقاذ هذه الحواضر الكبرى. ويصبح من المهم ازاء ذلك ان يتمتع ساسة العالم الذين يقررون شؤونه الكبرى ويوجهون تطوراته بقدر من التصرف السليم وحسن ادراك ما يقوله العلماء، فالتصريحات التي يطلقها العلماء هي غالبا ما تحظى بقدر أقل من الاهتمام خصوصا إذا كانت تتعلق بأمور بعيدة عن اهتمام رجال السياسة أو أنها لا تفرز نتائج آنية سريعة. فالعلماء يعطون طوال الوقت، بحكم طبيعة عملهم واهتماماتهم، مؤشرات عما قد يحدث فيما يتصل، على سبيل المثال، بالمجاعات، فهم يحذرون قبل سنوات من حدوثها من موجة جفاف ستضرب هذه المنطقة أو تلك، لكن السياسيين وزعماء العالم المشغولين بتحقيق نتائج سريعة، في الغالب، لا يهتمون بأمور قد تخل بجداول أعمالهم أو بمكاسبهم الآنية الانتخابية أو تتطلب تخصيص المزيد من الأموال.. والآن هناك الحديث المتكرر عن طبقة الاوزون التي تتسع بسبب تصاعد غازات معينة إلى الغلاف الجوي ما يسهم في زيادة حرارة الأرض، والامر يمكن السيطرة عليه باتخاذ اجراءات معينة، لكن دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية ترفض التوقيع على (بروتوكول) كويتو الذي تواضعت دول العالم عليه من اجل الحد من آثار تلك الغازات الضارة، لان الالتزام بتلك الاتفاقية لا يتفق ومصالح اقتصادية أمريكية، غير ان ارتفاع درجة حرارة الارض يفرز من بين اشياء عديدة اضطرابات جوية تتجسد في شكل اعاصير وغيرها، وقد نالت الولايات المتحدة نصيبها من كاترينا وصويحباتها في الايام والاسابيع الماضية.. من الواضح انه يتعين على القيادات الدولية الكف عن استعراض عضلاتها العسكرية والحد من طموحات الهيمنة على حساب الآخرين، والاستماع إلى ما تقوله الصفوة من علماء العالم من أجل تأمين بيئة مثلى لبني البشر اينما كانوا، فالذين يمرضون في جنوب شرق آسيا أو يجوعون في اعماق إفريقية يضيقون ذرعا بهذه الآفات والوباءات، ومن ثم تبدأ موجات نزوحهم إلى البقاع الأفضل في العالم ناقلين معهم كل سوءات التخلف والمرض.
|