اختلاف التنوّع في القضايا - القابلة للنقاش - أهم ما يميِّز صحافة أو مقالات الرأي، وهو جوهرها الحقيقي، ولكن عندما يتعلَّق الأمر بالتعرض لقيم عليا لدى فئة من الجماهير تبدأ من هنا نقاط الخلاف الحقيقي وتبدأ معها التقسيمات والحزبيات الممقوتة داخل الوطن أو الأمة الواحدة. نرى في بعض مقالات الرأي ما يشير إلى هذا الموضوع، وتبدأ المشكلة من العناوين في الغالب التي يراد منها استثارة انتباه القراء، فنقرأ مواضيع يذكر في عناوينها رموزاً أو مصطلحات يقصد بها فئة من الناس والتي تكون غالباً متصلة بمنهج الحياة وعلاقته بالدين الإسلامي، وهي على وجهين: إما أن يكون هذا الرمز مزعوماًَ أو مفترى على فئة محددة من الناس داخل المجتمع بحيث يشير بالاتهام المطلق إلى أن تلك الفئة مخالفة لقيم الدين أو المجتمع - نتيجة بعض الممارسات الفردية - وهي في الحقيقة لا تتبناه إلا ما ندر مثل: العلمانية، الليبرالية، القومية، الحرية... إلخ وتكثر مثل هذه المقالات في الإنترنت.أو أن يذكر هذا الرمز على سبيل السخرية وإلصاق الاتهامات به ولكن تحبذ تلك الفئة من الناس داخل المجتمع الانتماء إلى هذا المركز وتتبناه مثل: الصحوة، الأصولية، السلفية.. إلخ. وهذا النوع من المقالات أوسع انتشاراً في وسائل الإعلام والاتصال، ولعل السبب في ذلك ما خلفته الأحداث الجارية من تشويه وحذر من كل منتسب إلى الدين بشكل واضح للناس سواء كانوا على حق أو غير ذلك. المهم في الموضوع أننا عندما نناقش قضايا نحزب من خلالها فئة من الناس بتلك الرموز فنحن لا نعالج قضية ولا نبني فكرة سليمة مطلقاً، ولكن في واقع الأمر نسعى في تشريح المجتمع الواحد وفي بعض الأحيان الأسرة الواحدة إلى شرائح متنوِّعة ومتضادة في نفس الوقت. لا بد أن يعلم كل كاتب يتناول مواضيع على هذا الأساس أن كل رمز أو مصطلح من هذه الأنواع يأتلف حوله آلاف من الناس أو من ذكره على سبيل الاتهام (النوع الأول) آلاف آخرون ومن بينهم قادات للرأي وبذلك قد يطرح الكاتب قضية من وجهة نظره بالنقد أو التحليل ولكن مقالته هذه تزيد فئة ما حزبية وعداءً قد يصل إلى كره المجتمع بأكمله وفي النهاية لا نخدم ديناً صحيحاً ولا وطناً موحداً ولا قضية هادفة. ينبغي على كل كاتب أن يتقي الله فيما يكتب وأن يكون واعياً لهذه الأمور وأن يحسن الظن في الآخرين وأن يكون الهدف المنشود الحفاظ على وحدة هذا الوطن الذي رضي بشريعة الله دستوراً ولله الحمد والمنة، وأن تعالج القضايا باحتواء جميع أفراد المجتمع والتعامل على أساس الأمة الواحدة والوطن الواحد. إن وسائل الإعلام وبالذات الرسمية منها لم تكن مكاناً لتصفية الحسابات أو التراشق بالعبارات في الوقت الذي نسعى فيه جميعاً قادة وعلماء وعقلاء إلى مزيد من التماسك والتآلف خاصة في مثل هذه الظروف التي نعيشها اليوم داخلاً وخارجاً، وأنهي مقالتي هذه بما هو أبلغ وأكمل. قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(آل عمران 103). وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم) حديث صحيح.
|