Saturday 1st October,200512056العددالسبت 27 ,شعبان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "عزيزتـي الجزيرة"

رداً على الدكتور الحبيب:رداً على الدكتور الحبيب:
المقارنة مُختلة لأن المصطلح مغلوط أساساً

يكاد يكون مصطلح (السلفية) من المصطلحات الفكرية التي كثر تداولها في السنوات الأخيرة على المستوى الإعلامي والثقافي، خصوصاً بعد ظهور فكر متطرف يزعم الانتساب للخط السلفي، وتصاعد عمليات الإرهاب الذي يتستر بعباءة الدين، سواء داخل المملكة أو خارجها وبيان مواقف فكرية متعاطفة مع هذا الشر تحت حجج وأكاذيب تعتمد نصوصاً شرعية بتأويلات لم يقل بها علماء الأمة المعتبرون أو الراسخون في العلم، وذلك لخدمة أهدافها الإرهابية، يجاريه كتابات وأدبيات ثقافية وبرامج إعلامية تحاول رصد هذه الظاهرة التي يرفضها الإسلام وتحاربها الأجهزة الرسمية بقبول شعبي واضح أسهم في فضحها، الأمر الذي أدى إلى مناقشة عامة للمواقف الفكرية والآراء الدينية التي تمثلها أطياف متعددة داخل ما يسمى (التيار الإسلامي) العريض في الأمة وليس في بلد محدد، لهذا بدأ يتردد وصف السلفي أو مصطلح السلفية.
لكن المشكلة أن ذلك الرصد الإعلامي وتلك الكتابة الثقافية، كثيراً ما تقع في فخ المصطلحات الفكرية، كونها تفتقر للتعمق في مضامين تلك المصطلحات أو دراسة أبعادها التاريخية، وصولاً إلى تحديد واعٍ لما يعبر عن هذا المصطلح أو ذاك بشكل دقيق فتكون الاستنتاجات التي تأتي بعدها أو تبنى عليها غير سليمة فكرياً، ولعل الدكتور عبدالرحمن الحبيب من أولئك الذين يطرحون بعض الأفكار أو الرؤى عن بعض القضايا الاجتماعية والمسائل الحضارية بشكل منهجي وعلمي رصين، إلا أنه في مقاله الذي تناول مصطلح السلفية مقابل الحداثة، قد سقط في الفخ الذي أشرت له.
مقال الدكتور عبدالرحمن نشر في عدد الجزيرة رقم (12044) الصادر يوم الاثنين 15 شعبان 1426هـ تحت عنوان: (الاغتراب بين السلفية والحداثة، والمتمعن في حيثياته يجد أن الكاتب قد حصر مفهوم السلفية في إطار ضيق عندما جعلها نقيضاً للحداثة, أو أنها تقف عند الماضي المجيد ولا تتجاوزه، وتقرأ الحاضر من خلال نصوص الغابر، أي أنه فسر المصطلح بشكل حرفي أقرب إلى التعريف اللغوي، لذلك هو يرى أن هذه (السلفية) تعيش في مأزق اغتراب حاد لأنها تقاطع العصر، شأنها شأن (الحداثة) فهي الأخرى تعيش مأزقاً وحالة اغتراب ولكن بشكل معاكس لأنها تقاطع الماضي.
هذا القول يعتبر مختلاً في أساسه الفكري، لأن الاستنتاج قام على مصطلح مغلوط (السلفية) تعامل به الكاتب الحبيب من بداية المقال حتى خاتمته، عندما فهم أن السلفية هي تعبير عن الماضوية فقط.
أو هي عودة إلى الماضي لفهم مستجدات الواقع من خلال اجتهادات وفقهيات سلف الأمة، أو الوقوف عند حضارة الأوائل ورفض لكل ما هو جديد، حتى أن الكاتب حكم عليها أنها مسكونة بالارتياب من التقدم والخصومة أو العداء للآخر، أو قوله إنها تتمتع بقدرة هائلة على إقناع العموم بحكم قربها من العقلية والمنهجية الشعبية.
بالطبع ما ذكره الدكتور الحبيب غير سليم وغير علمي بالدرجة الأولى، بل هو انعكاس لمواقف فكرية يتبناها كتاب وأساتذة في محاولاتهم الجادة لفهم ونقد وتجلية الواقع الإسلامي بكل إفرازاته وأحواله وممارساته سلبية كانت أو إيجابية، وحتى تكتمل الصورة في هذا التعقيب أضع بعض النقاط التي قد تعرف المتلقي أن المقارنة بين الموقف (السلفي) والموقف (الحداثي) من الواقع المعاصر مقارنة مختلة لأنها قامت على فهم مغلوط لمصطلح السلفية.. والنقاط هي:
أولاً: مصطلح السلفية والمدارس الفقهية:
هناك من يعتقد أن السلفية -كما أشرت سابقاً- تعني الماضوية، أو فهم الواقع بعقلية واجتهادات الماضي من سلف الأمة، بينما (السلفية) المعروفة فكراً وتاريخها المشهود فقهاً، هي العودة إلى سلف الأمة في منهجية التعامل مع (الوحي) القرآن الكريم والسنة المطهرة، مصدراً للتشريع ومرجعيةً حضارية للأمة، وفق أدوات فقهية تلتزم النص القطعي وتطلق ملكات العقل للنص الاجتهادي، من خلال الرأي والقياس والتأويل والاستحسان وغيرها من أدوات، سواء ما يتعلق بالمستجدات العصرية أو بالفقهيات التي تمت في عصور غابرة، ولكنها تغيرت بتغير المكان والزمان والحال، لذلك خرجت مدارس فقهية وفكرية متعددة أبرزها مدرسة (الرأي) بزعامة الإمام أبو حنيفة رحمه الله، التي يطلق على اتباعها أهل الفقه، ومدرسة (النص) التي انعقدت زعامتها التاريخية لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله، ويُعرف أصحابها بأهل الحديث.
ثانياً المدرسة الحنبلية والزعامة السلفية:
الخلط في فهم (السلفية) قاد إلى خلط آخر، عندما فهم بعض المثقفين أن السلفية هي تعبير عن مدرسة النص الفقهية التي يمثلها المذهب الحنبلي بدايةً بالإمام أحمد بن حنبل ومروراً بابن تيمية ونهايةً بمحمد بن عبدالوهاب عليهم رحمة الله جميعاً، وهذا خطأ تاريخي وفكري معاً فالسلفية طبقاً لشرح مضامين مصطلحها شاملة للمدرستين (الرأي والنص)، فكلاهما ينهل من منبع واحد ونصوص واحدة إنما التباين بينهما في مدى تطبيق الأدوات الفقهية في استنباط الأحكام وتقرير الأدلة الشرعية.
غير أن النظر بزاوية أحادية تجاه الموقف السلفي -الحنبلي- من الموروث الماضوي أو الاجتهاد العصري، دفع بالبعض إلى الاعتقاد أن هذا هو الموقف العام للسلفية، وذلك بحكم تسيد مدرسة النص بزعامة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله للناصية الفقهية السلفية في العصور المتأخرة، من واقع مواقف تاريخية خالد لأئمة هذه المدرسة، فضلاً عن تراثها الضخم، بينما الحقيقة أن هناك آراء فقهية لمدارس أخرى أبرزها (مدرسة الرأي) في مسائل اجتهادية لمستجدات عصرية، تخالف أو على الأقل تتباين مع موقف مدرسة النص من هذه المسائل أو المستجدات على مستوى العالم الإسلامي.
لذلك يمكن السؤال: هل حكم الدكتور الحبيب على أن السلفية تعادي التحديث وترتاب من التقنية جاء قياساً على فهمه للسلفية -الحرفي- الماضي ضد الحاضر؟ أم لسبب فهمه أن السلفية هي مدرسة أحمد بن حنبل فقط؟ أم أنه فقط يحكم في إطار جغرافي محلي قياساً على مواقف دينية اتخذها علماء أجلاء من بعض المستجدات العصرية كتعليم المرأة أو المذياع (الراديو) أو السيارة أو القنوات الفضائية إلى غير ذلك؟!
ثالثاً: السلفية المعاصرة والموروث الفقهي
أقصد هنا بالمعاصرة: تعامل السلفية اليوم مع مستجدات العصر على خلفيات الموروث الفقهي وليس القصد ظهور سلفية معاصرة كمدرسة فقهية تضاف إلى المدارس الفقهية السلفية من رأي ونص وغيرها! وعليه أقول: إن الموقف (المتميز) لبعض السلفيين من (المستجدات العصرية) والتعامل معها بمفردات أو أحكام فقهية موروثة (ماضوية)، لا ينسحب على كل الفقه السلفي بمدرستيه (الرأي) و(النص)، بل لا بد من الانتباه إلى نقطة مهمة بشأن هذا الموقف السلفي الذي اعتبرته متميزاً، كونه متحيزاً للموروث الماضوي تجاه الاجتهاد العصري، أنه اتخذه بسبب عدم اقتناعه العلمي (الفقهي) بغلبة رأي الاجتهاد على رأي الموروث، أو أن موقفه الفقهي من مسألة عصرية لم يتبدل من الموروث الماضوي إلى الاجتهاد العصري نتيجة أسس فقهية ومنطلقات فكرية لم تتغير لديه أصلاً، وأقرب مثال قيادة المرأة للسيارة، فالموقف الفقهي ضدها ليس نابعاً من كونها مسألة محرمة في أصلها، إنما لأن الحكم الفقهي بشأنها مبني على الحكم الفقهي المتعلق بالحجاب الشرعي، وأن قيادة السيارة تفضي إلى الإخلال بهذا الحجاب، وقس على ذلك كثيراً من المواقف والمسائل الفقهية للمستجدات العصرية. إذاً.. أخلص إلى أن الدكتور عبدالرحمن الحبيب ركن إلى مقارنة مختلة بين فئات محافظة ومثل لها بالسلفية والتقليدية والأصولية، وبين فئات حديثة ومثل لها بالليبرالية والعصرية والحداثية، وذلك في تعاملها مع المستجدات العصرية التي تعبر عن الأنموذج الغربي، وسبب الخلل أن تناوله لمصطلح السلفية جاء في أساسه مغلوطاً، فضلاً عن توضيحات أخرى وردت خلال سياق التعقيب، ولعل لي عودة لمناقشة حيثيات أخرى.. حتى ذلك الوقت أقول: هذا ما كان والله المستعان.

محمد بن عيسى الكنعان

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved