Saturday 1st October,200512056العددالسبت 27 ,شعبان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الطبية"

إضاءةإضاءة
حكايات من الواقع الصحي (لعلّ وعسى)
د. محمد غياث التركماني

المقارنة في العمل بين القطاع الصحي العام والخاص أمر ذو شجون عديدة، تتشابه في أحيان عديدة من حيث الهدف الأسمى للخدمات الطبية ألا وهو خدمة المرضى المقدمة في كلا القطاعين على أكمل وجه.
ولكن قد نلحظ بعض الاختلاف من حيث النوعية وطريقة تطبيق تلك الخدمات.
وحتى لا يظن البعض فيّ الظنون من حيث أني أميل إلى قطاع صحي دون آخر، فأنا كنت ولسنوات عديدة مقاتلاً شرساً في صفوف الكادر الطبي في المستشفيات الحكومية العامة ومنها تعلمت الكثير والكثير في الارتقاء بالخدمات الطبية إلى ما ينشد إليه الأطباء والمسؤولون المجتهدون القائمون على إدارة تلك المستشفيات، وإلى ما يبتغيه مرضانا الأعزاء أيضاً.
سأروي لكم اليوم حكايتين تبينا وجه الاختلاف بين هذين القطاعين، وهاتان الحكايتان حصلتا في مكان ما وزمان ما، ولا أدري إن كانت تلك القصص والحكايات لا تزال تحدث في يومنا هذا.
الحكاية الأولى: دخل الرجل بوجهه العابس وسحنته الكئيبة إلى المستشفى الخاص.
توسط الردهة ثم قال: ويحكم أين أنتم؟ طفلي معي بحاجة إلى لقاح مضاد الحصبة، فجأة.. انشقت الأرض عن ثلاث ممرضات بارعات هرعن إلى الرجل. وهبط من السماء طبيب وسيم ضاحك بردائه الناصع البياض، واندفع من الداخل مدير المستشفى كأنه قادم على متن صاروخ!
كلهم أحاطوا بالرجل إحاطة السوار بالمعصم.. هذا يلاطفه، تلك تداعب طفله! هذه تدير جهازاً للموسيقى، وأخرى تأتي بألعاب، وثالثة تبتسم في وجه الرجل وطفله أيضاً دون كلل أو ملل، وخلال لحظات، أعطي الطفل اللقاح اللازم دون أن يشعر بأدنى ألم وخرج مع أبيه راضياً قرير العين!
الحكاية الثانية: دخل أب إلى قسم الإسعاف في المستشفى العام، وهو يحمل طفله -بين ذراعيه- الذي ينزف دماً بعدما شُجّ رأسه، نظر باستكانة إلى الممرضة الجالسة في غرفة الإسعاف وقال: ابني جريح، لم تلتفت الممرضة إلى مصدر الصوت، لقد كانت منشغلة بحل لغز الكلمات المتقاطعة! قالت دون أن ترفع رأسها عن المجلة: سأنادي الطبيب المناوب.. حاولت الاتصال بالطبيب عن طريق الهاتف ثم النداء مرات ومرات دون جدوى، أخيراً علمت أن الطبيب المناوب يلعب بورق اللعب مع زملائه وسيأتي إلى غرفة الإسعاف بعد الانتهاء من اللعب.
ثم ألقت الممرضة نظرة عجلى على الأب وطفله، فرأت قطيرات من الدم تتساقط من رأس الأخير على الأرض.. فصاحت بصوت غاضب: انتبه! ستلوث الأرض! خذ قليلاً من الشاش واضغط به على رأس الولد.. ثم مدده على طاولة الفحص ريثما يحضر الطبيب! حاذر من اتساخ الطاولة بالدم!..
لا يزال الأب وطفله ينتظران انتهاء الطبيب من ورق اللعب.
ثم قامت الممرضة بخطى بطيئة جداً وكأنها ناقة عجوز مصدرة أصواتاً شاذة بحذائها ذي الكعب العالي وقالت للأب: حسناً.. نظّف جرح الولد بالماء والصابون، ثم بالكحول ولا تنس أن تحلق شعر رأسه مكان الجرح، سأتابع حل لغز الكلمات المتقاطعة ريثما يحضر الطبيب.
لم يجرؤ الأب على التفوه بكلمة واحدة بل وقف في ركن غرفة الإسعاف ينتظر الطبيب، هنا قاطعه الموظف المسؤول قائلاً: الانتظار في غرفة الإسعاف ممنوع! المقاعد في الممشى الخارجي مخصصة لهذا الغرض، اجلس على مقعد منها.
ختاماً.. أنهي حكاياتي بكلمتي (لعلّ وعسى) لعل التبادل بين الخبرات عند المسؤولين في القطاع العام والخاص حاصل، وعسى أن يكون مثل هذا التبادل للجانبين مفيداً.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved