يثير اليوم الوطني لبلادنا في النفس ذكريات نفخر بها، ومشاعر جمَّة من الحب والولاء لقادة هذا الوطن، وتعبق روائح كلِّ هذا وذاك بعطر التاريخ، وأغلى ما في هذا التاريخ وأعظم ما فيه مؤسس هذا الكيان وصانع تاريخه وباني مجده المغفور له - بإذن الله - الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود - طيّب الله ثراه. فلسفة حياة الملك عبد العزيز واليوم أقول إنّه يكفيني من كلِّ هذا التاريخ ومجده أنّني عشت عصر الملك عبد العزيز ورأيته وسمعت منه وتعلَّمت من إنسانيته وحكمته وعبقريته .. فقد كان أباً عظيماً كما كان قائداً عظيماً، وكان إنساناً عظيماً مثلما كان حاكماً عظيماً .. كان عظيماً بعدله وحرصه على الحق ولو على نفسه وأهله، وكان شعاره في الحكم بين الناس قوله تعالى{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. ولهذا كان طوال حياته يقول ويكرِّر في مجالسه: (لا توجد تقوى دون عدل، وأنّ العدل والإنصاف أساس التقوى، وأنّ أتقى الناس ليس أكثرهم عبادة ولكن أحرصهم على العدل والإنصاف)، وكان يقول: (إنّ من يخاف الله في عباده يخاف الله بحق). وكان منهجه في التعامل مع كافة الناس، المسلم وغير المسلم، قوله تعالى {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، وبصدقه في تطبيق هذه الآية الكريمة كسب الأصدقاء والأعداء على السواء. وعندما يطالبه البعض بتغيير معاملته مع الذين يكيدون له أو مع الذين يعادونه من غير المسلمين، كان يبتسم - رحمه الله - ويقول إنّ الله قال في كتابه المنزل {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}، ولم يقل قولوا لأصدقائكم حسناً أو قولوا للمسلمين حسناً. كان هذا باختصار منهج حياته وفلسفتها، وكانت هذه دبلوماسيته الإسلامية التي رفعته إلى مصاف الدبلوماسيين والسياسيين الدهاة العالميين، ولو لم يكن داهية - ولكن بالحق والصدق - لما قال عنه الرئيس الأمريكي روزفلت بعد لقائه الشهير به: (لقد فهمت من الملك عبد العزيز عن قضية فلسطين ما لم أفهم في عشر سنين) .. والحقيقة التاريخية التي تُحسب للملك عبد العزيز ولدهائه السياسي أنّه نصح الزعماء العرب بعدم الدخول في مواجهة مباشرة بالجيوش النظامية مع اليهود في فلسطين، وحذّرهم من العاقبة الوخيمة، واقترح عليهم حرب الكر والفر بتسليح الفلسطينيين وتمكينهم من الدفاع عن حقوقهم وأرضهم وبهذا نفِّوت الفرصة على الدول الكبرى من التدخُّل لأنّ أحداً لا يستطيع أن يعترض على شعب يجاهد لاستعادة أرضه. ولمّا يجد آذاناً صاغية لوجهة نظره وافقهم على المشاركة حتى لا يُقال عنه تخاذل وأرسل رجالاً من خيرة أشاوس جيشه قاتلوا فأحسنوا القتال، ولكن المؤامرة كانت أقوى من كلِّ الإمكانات وحدث ما حدث كما هو معروف للجميع، وتذكّر بعضهم نصيحة الملك عبد العزيز ولكن بعد فوات الأوان. وقال الملك عبد العزيز قولته المشهورة لزعماء الدول وسمعتها في مجلسه قال: (أنا مستعد أخرج أنا وعيالي ونكون أول الناس في الدفاع عن فلسطين). مواقف لا أنساها والذكريات كثيرة تمرُّ أمامي كأنّها بالأمس، وصوته - رحمه الله - لا يزال يرن في أذني، فتعي حكمته جوارحي، فحياته كانت دروساً لكلِّ من معه، وما من خروج في معيّته إلاّ ويتعلّم من يرافقه الحكمة والنبل والإنسانية وحب الوطن .. في إحدى المرات، وكنا في طريق العودة من المنطقة الغربية (الحجاز)، وكان من عادة الملك عبد العزيز عندما يرى على الطريق أفراداً من المواطنين كان يفرِّق عليهم نقوداً وكان دائماً يفعل ذلك في الطرقات والمراكز، ومما أذكر أيضاً من تلك الأمور في طريق عودتنا من مكة أعطى أحد مرافقيه، وهو ماجد بن خثيلة، بعض النقود وقال له فرِّقها على من في الطريق، وعندما وصلنا (منطقة المويه) وجلس الملك عبد العزيز ليرتاح تلك الليلة في هذه المنطقة، وعندما أتاه هذا الرجل قال له الملك عبد العزيز: (إن شاء الله إنك ما تعديت أحد إلاّ وأعطيته)، فردّ ذلك الرجل: (يا طويل العمر الكل يدعي لك وما تعدينا أحد إلاّ وأعطيناه)، فقال الملك عبد العزيز: (يا أخوي نحن أمناء على حقوقهم وهذا لهم ومن حقهم) .. هذا موقف من المواقف التي حضرتها له. وحضرت له جلسة ونحن على الطريق والعادة نقعد على الطريق ثلاث ليال، وفي تلك الجلسة وبعد العشاء جلس هو وخاصته من مرافقيه يتناقشون في مسألة ما حصل في الداخل من بعض البادية من تمرُّد، قال لهم الملك عبد العزيز: (هذه أشياء ما كنت أريدها ولكنهم حدوني على شيء ما أحبه لأنّهم أجبروني على هذا ومصلحة البلاد أهم وما دون الحلق إلاّ اليدين وما حببت أنه يكون لأنّي اعتبرهم أجنحة لي من المواطنين). وحضرت له أيضاً مجلساً مع علماء البلاد كانوا يجتمعون به كلّ خميس تكلم معهم في تلك الجلسة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البلاد وقال: (إني علمت أنّه حدث تقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنا ما قصرت معكم ووفرت لكم كل شيء وحطيت لكم خدم)، فلم يجبه أحد، ثم التفت إلى مفتي البلاد الشيخ محمد بن إبراهيم وقال له: (وش تقول يا شيخ في كلامي هذا)، فردّ الشيخ وقال: (يا طويل العمر أنت ما قصرت وذمتك بريئة وإن كان فيه نقص فهو منا ولكن يا طويل العمر الوقت هذا توسع علينا بموجب إن حنا نداريه بقدر الاستطاعة، وإن شاء الله نقوم بالواجب)، ردّ عليه الملك وقال: (أنتم المسؤولين وأنا ذمتي بريئة) .. هكذا كان - رحمه الله - حريصاً على إبراء ذمته أمام الله ثم أمام شعبه، وهكذا سار أبناؤه على العهد من بعده لم يشذ منهم أحد قط. فقد حضرت موضوعاً يتعلّق بأمر دولي، ففي يوم من الأيام بعد وفاة الملك عبد العزيز - عليه رحمة الله - ذهبت مثل العادة أسلِّم على الملك سعود في جدة، ومصادفة وجدت الملك سعود والملك فيصل قد ركبا في سيارة ومتجهان من الديوان إلى مقر الملك سعود، ولم يكن في السيارة سوى الملك سعود والملك فيصل وأنا والكاتب محمد الدغيثر، وبعدما درجت السيارة قال الملك سعود للملك فيصل: (اطلعت على البرقية التي وصلت من الحكومة البريطانية؟)، فردّ عليه الملك فيصل قائلاً: (نعم اطلعت عليها وأبي رأيك فيها)، قال الملك سعود للملك فيصل: (هذا ابن دغيثر املئ عليه البرقية التي سترسلها إلى الحكومة البريطانية)، فقال الملك فيصل لابن دغيثر: (اكتب البرقية للحكومة البريطانية وقل لهم هل نسيتم الاتفاق الذي بين الملك عبد العزيز ورئيسكم تشرشل وهل نسيتم تلقيبه للملك عبد العزيز بأسد ليالي السود، وهذا الموقف أحببت أن أبينه لكم). درس في الكرامة الوطنية وسمعت أيضاً من سيدي الوالد الأمير محمد - رحمة الله عليه - سمعته يقول إنه في إحدى زيارات قائد من قواد أمريكا قابل الملك عبد العزيز وبعدما جلس مع الملك قال: (أحب أن أسأل جلالتكم موضوعاً أنا أحسست به الآن وهو أنّ بعض زملائي الذين زاروا جلالتكم ..) قال له الملك عبد العزيز: (اسأل)، فقال القائد: (يقول زملائي إننا إذا قابلنا الملك عبد العزيز لأول مرة نحس بهيبة، وإذا تحدثنا معه زالت تلك الرهبة وأحسسنا براحة وانشراح .. أنا أسأل جلالتكم ما هي الأسباب)، فردّ عليه الملك: (هذا من فضل ربي). هذا تواضع الملك عبد العزيز وهذه شخصيته .. شخصية الزعيم المسلم الوقور الجامع بين التواضع وحسن الخلق، وهو قدوة في هذا كله لمن جاء من بعده ولأبناء شعبنا جميعاً وللمسلمين، لكن دون تفريط في الكرامة الوطنية التي لا يسمح لأحد بالمساس بها .. فقد سمعت من سيدي الوالد أيضاً يقول إنه في أحد اجتماعات الملك عبد العزيز مع رئيس وأعضاء شركة أرامكو، تحدث أحد أعضاء الشركة وقال للملك عبد العزيز أنا أبي أعرف مدخول النفط فيما تنفقونه، فردّ عليه الملك عبد العزيز بغضب شديد وقال له: (أنتم أتيتم هنا عمال ولم تأتوا محاسبين لنا، وقال للوزير عبدالله السليمان الآن الشركة هذه تغادر المملكة وشوفوا لنا شركة أخرى من أي بلد، في تلك اللحظات تدخّل رئيس الشركة واعتذر للملك وأفاده بأنّ هذا الشخص غير مسئول وأننا بريئون من سؤاله فقال الملك هذا الشخص يغادر المملكة الآن ولا يعود إليها). وهذا درس رفيع في الاعتزاز بالكرامة الوطنية التي لا تفريط فيها منطلقة من عزة المسلم .. واعتزازه بدينه ووطنه ونفسه، فقد كان الملك عبد العزيز ساعتها مستعداً للتفريط في إنتاج النفط ودخله المادي مقابل عدم المساس بكرامتنا والتدخُّل في شؤوننا، وقد استوعب الجميع هذا الدرس الذي لا شك أنّه وصل لجهات متعددة. ويحضرني ما شهدته بخصوص لبنان، فقد كانت لبنان، هذا البلد العربي الشقيق موضع اهتمام الملك عبد العزيز ويهمه استقرار لبنان ووحدته، وهو ما دأب عليه أبناؤه الملوك من بعده، حيث تحقق استقرار لبنان النهائي على يد الملك فهد - رحمه الله - بعد أخطر حرب شهدها، فقد حضرت في مجلس الوالد وبحضور الملك فهد - عليهم رحمة الله جميعاً - ودار بينهم حوار حول قضية لبنان واجتماعهم في الطائف وقال الوالد للملك فهد: أنت نسيت كلام الملك عبد العزيز للرئيس كميل شمعون يوم اجتمع بالملك عبد العزيز، وقال له الملك عبد العزيز: (أنتم يا أهل لبنان عائلة واحدة في بيت واحد فإن اتفقتم وسرتم يد واحدة فهو لمصلحتكم لأن بلدكم بلد مصيف ويقصده الزائرون والسياح من كل أنحاء العالم وأنا خائف عليكم إن اختلفتم يقع البيت عليكم جميعاً وفي النهاية أنتم الخاسرون). حكمة استوعبها الملك فهد - طيب الله ثراه - وعمل بها وسار على خطاها في تعامله مع القضية اللبنانية وجعل الله حل تلك المشكلة على يده التي انتهت بها الحرب الأهلية اللبنانية ووقعت الاتفاقية المشهورة في الطائف. أستاذ الصدق وحياة الملك عبد العزيز - غفر الله له وأسكنه فسيح جناته - مليئة بالدروس والعبر التي يحتاجها الصغير والكبير على السواء. إنّ من جلس ولو مدة واحدة في مجلس الملك عبد العزيز يخرج بدروس عدة تفيده في حياته، وتعينه على فهم ما يجري حوله في هذا العالم المعقّد التركيب والمتغيِّر. كان سر نجاح سياسة وقيادة الملك عبد العزيز - رحمه الله - في صدقه وفطرته السليمة، فلم يكن يعرف سياسة الخداع والتدليس والكذب والمناورة، بل كان وجهاً واحداً يعرفه الجميع ويحسبون له ألف حساب عند التعامل معه، فقد عوّدهم على الصدق لا يكذبون عليه، وعوّدهم على العدل فلا يتوقّعون منه ظلماً، وعوّدهم على الصراحة فلا يتوقّعون منه مناورة، ولعل هذه القصة التي شهدتها معه تحمل هذه الدلالات التربوية، فقد سمعت الملك عبد العزيز مرة يحدِّث مرافقيه ويقول إنّه في إحدى غزواته كان يتفقّد من معه من الرجال، وفي أحد المنازل وكان فيه ثلاثة أشخاص وعندما اقترب من خبرتهم وجد أحدهم يصلي والآخران يتحدثان وكان حديثاً غاضباً على الملك عبد العزيز وبعد أن فرغ الشخص الثالث من صلاته التفت إليهم وقال لهم: (ما تخافون الله تتحدثون في الملك عبد العزيز وهو ما قصر معكم)، ثم غادر الملك عبد العزيز وفي الصباح غاروا على القوم وكسبوهم وكانت العادة أن يقسم الكسب من الغنائم بين الكاسب والحاكم بالنصف وعندما أتى دور هؤلاء الثلاثة لتتم القسمة في كسبهم قال الملك عبد العزيز: (لا تقسموا كسب هؤلاء اتركوها لهم)، وفي الليلة الثانية وعندما ارتاحوا تفقّد الملك عبد العزيز مثل عادته الخبر ومر بجانب تلك الخبرة فوجدهم في نفس حال تلك الليلة وكان ثالثهما يصلي والآخران يمدحان الملك عبد العزيز وعندما انتهى الثالث من صلاته قال لهم: (شفتم أنتم تذمون الملك عبد العزيز وهو ترك لكم كل كسبكم ما أخذ منه شيء)، فعلّق الملك عبد العزيز للحاضرين وقال: (شفتم لأجل المادة كانوا يذمون ولأجلها صاروا يمدحون) .. وكانت هذه حكمة من الملك عبد العزيز. رحم الله الملك عبد العزيز، فقد كان إنساناً عظيماً وزعيماً حكيماً ومسلماً صادقاً وقدوة صالحة لمن أراد أن ينهل من معين حكمته الذي لم ينضب على مر السنين والأحقاب وسيبقى إلى يوم الدين - بإذن الله.
|