* بقلم: حسن الهويمل : تعارف المهتمون في الأدب على أن الرمز فن محدث ذر قرنه علينا كأي وافد يحمل أثقاله على كاهله.. وكل محدثة بدعة وسواء في ذلك أكانت محدثة بالدين أو في شؤون الحياة ومطالبها، والرمز يعني تغطية المقصود بضباب من الفنيات.. والإبداع لكيلا يمكن معه الوصول إليه إلا بعد معاناة مجهدة ومشقة مفحمة، يدفع الموهوبين إلى الرمز وضع لا يقدرون معه على التعبير عن مكنونات نفوسهم لأسباب كثيرة، منها أن يكون الشاعر أو الكاتب يعيش داخل اطار من البيئة النابذة لتلك العادة التي ينوي ذلك الموهوب ممارستها فيلجئه التحفظ والتستر إلى البوح بما تخفيه نفسه عن طريق الرمز.. وقد تجلى ذلك واضحاً في كتاب كليلة ودمنة للفيلسوف بيدبا.. أو للكاتب الشهير عبدالله بن المقفع حيث تحدث أحدهما.. أو تحدثا معاً على لسان الحيوانات للتعبير عما في نفسيهما.. ولتصوير الواقع الذي تعيشه الفئة المحكومة بشيء من العنف والقسوة.. لكن الأدب الرمزي الآن أصبح فناً بذاته له أنصاره ومساندوه على رغم ما يتمتع به الشاعر أو الكاتب هنا أو هناك من حرية في التعبير، وتميز الكتاب والشعراء الرمزيون عن غيرهم بطابع الاعماق والتعمية ووجدوا في ذلك متعة يعيشون على رفاتها.. ويتعمون في معاناة كشف المعميات، ولست أعرف بالضبط أي شيء ذلك الشعور الذي ينبعث تحت ركام الرمز، بيد أن لدينا فئة يمنعون في مناصرة الرمز لا لشيء أكثر من كونهم يعتقدون أنه وافد جديد وهم يحبون أي وافد لأنهم ينزعون إلى التقليد حباً في ذاته لا في معطياته.. وقصداً إلى محاكاة لا رغبة في عمليات التهجين والمزج ولو أن أحداً من الناس تطوع - والتطوع خير - فسعى في مسارب الأدب وشعابه ليبرهن لهم أن الرمز فن قديم قدم الشعر وفنونه لاستطاع أن يصرف السواد الأعظم إلى حيث الطريق القويم واستطاع أيضاً أن يميز الغث من السمين ويفرق بين من يحب الرمز لذاته وبين من يحبه لذات التقليد.. ولقد وجدت نفسي الآن ذلك المتطوع لكنه تطوع لا يتجاوز عامر البلد كما يقولون لأن الناق لا تسير عنقاً فسيحاً. وهنا أذكر أن حواراً دار حول كتاب (كليلة ودمنة) هل هو أدب رمزي دفع إلى تأليفه جور السلطان وأخذه الناس بحكم الغاب.. أم أنه مجرد محاولة جاءت عفواً فتقمصت ثوب الرمز دون قصد.. هذا ما أستذكره.. لكن إلى أي حد انتهى ذلك الحوار لست أدري.. ولعل من لهم المام بهذا الموضوع يتحفون القراء بما لديهم لنكون على بينة من الأمر. والذي يجب ألا ننكره الآن هو أن الرمز في الأدب العربي قديم قدم ذلك الأدب وأن الشعراء العرب.. والكتاب مارسوه لكنها ممارسة لم تنجل من خلالها خصائصه ومميزاته.. فكان طرفاً ملاصقاً ليست له الشخصية المستقلة كما هي الآن. وكنت قبلا كغيري نعد الأدب الرمزي من الفنون الأدبية الجديدة التي وسعها غيرها من الفنون لأن لغته حية شاعرة عبر عن عظمتها شاعر النيل بقوله:
وسعت كتاب الله لفظاً وغاية وما ضقت عن آي به وعظات فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات |
وما وجدته الآن يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن فن الرمز فن أدبي قديم امتد مع الحياة الأدبية لكنه ظل بعيداً عن معترك الحياة.. وأكثر الظن أنه كان مزيجاً مع الفنون الأخرى التي مايز بينها هذا العصر الدقيق في ملاحظاته.. والذي من أهم خصائصه تجزئة كل شيء إلى عدة أجزاء يختص كل جزء بسمات وخصائص تغاير الآخر وذلك الاختلاط حال دون تمييز سماته وبالتالي حفظ له الاندماج وسط الصراع الأدبي. يقول أبو الحسن بن رشيق القيرواني الازدي من أدباء القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي في كتابه البديع العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده: (والاشارة من غرائب الشعر وملحة وبلاغة عجيبة تدل على المرمى وفرط المقدرة وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرز والحادق الماهر). ومن هذا ندرك أن الإشارة وهي ذاتها تعني الرمز تعد في نظر القدامى المعترف بآرائهم من غرائب الشعر وملحه ثم أنها من خصائص الشعراء الراسخين في ميدان الشعر الماهرين الحاذقين في صناعته. على أن ما قاله ابن رشيق هنا لا يبرهن بوضوح على أن الرمزية مذهب قديم وفن من أشد الفنون عمقاً.. وأصعبها انقياداً - كما يوحي به كلامه - إلا أن له قولا آخر يشرق معه نور الحقيقة وتنهدم معه كل مرتفعات الشك والتردد، فقد أفضى حديث المؤلف إلى الرمز وذلك بقوله: (واصل الرمز الكلام الخفي الذي لا يكاد يفهم ثم استعمل حتى صار الإشارة), وقال القراء: (الرمز بالشفتين خاصة), وفي القرآن الكريم {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا} (41) سورة آل عمران. قد يكون من القراء من يتردد بين الشك واليقين ويطرح على نفسه أكثر من استفهام يلقي ظلالا من الشك.. لكن الذي يحسم هذه البوادر قول أبي نواس صاحب الخمر ومعاقرها:
قرارتها كسرى وفي جنباتها مهما تدريها بالقسي الفوارس فللخمر ما زرت عليه جيوبها وللماء ما دارت عليه القلانس |
وتعقيباً على ذلك يقول الأزدي: ان حد الخمر من صور هذه الفوارس التي في الكؤوس إلى التراقي والنحور وزيد الماء فيها مزاجاً فانتهى الشراب إلى فوق رؤوسها ويجوز أن يكون انتهاء الحباب إلى ذلك الموضع لما مزجت فأزيدت والأول أملح وفائدته معروفة حدها حرماً من معرفة حدها ممزوجة. قلت كفانا الله وإياكم العيون البصيرة التي تعابث القول لتستخلص سقطات اللسان وعثرات القلم وسرحات الفكر فتقيد المثالب وإن كانت أوابد.. وشاعر الخمر أبو نواس في هذا متهم بالسرقة ولكنها سرقة لا تعد وضيعة وإن كان في السارقين شريف فأبو نواس في هذا سارق شريف, وقد تلمس له الرحمون عذراً - والراحمون يرحمهم الله، فقالوا: إلا أنها سرقة ظريفة مليحة ولم يكن أبو نواس ليرضى أن يتعلق بمن دون امرئ القيس وأصحابه. قلت: ومتى كانت السرقة من الشرفاء مستساغة إلا أنها عين الرضا عن كل عيب كليلة، أما القول الذي اتهم به أبو نواس فهو قول الملك الضليل:
فلما استطابوا صب في الصحن نصفه ووافى بماء غير طرق ولا كدر |
وأكبر الظن أن شاعر الخمر لم يسرق ولكنه تسلق على هذا المعنى وداعبه.. ولعلي لا أكون مجانفاً بخروجي عن الموضوع إلى حديث السرقات فأمر الحديث بها لذيذ وشغف الناس بها أكثر، وأعود إلى موضوعي لأقول من الرمز قول الشاعر القديم:
عقلت لها من زوجها عدد الحصى مع الصبح أو مع جنح كل أصيل |
ومرة أخرى يجرنا هذا القول إلى حظيرة السرقات ذلك أن العيون الساهرة أدركت بثاقب بصرها أن هذا القول امتداد لقول سابق من نظم الملك الضليل أيضاً.. والسرقة الأدبية أمر مني به الأدب العربي منذ القدم حتى قبل (السطو على بنات الأفكار كالسطو على البنات الابكار). فقيل ان هذا القول أصله من قول امرئ القيس:
ظللت رواتي فوق رأسي قاعداً أعد الحصى ما تنقضي عيراتي |
والرمز في ذاك كما يقول القيرواني: (يريد انني لم اعطها عقلاً ولا قوداً بزوجها إلا الهم الذي يدعوها إلى عد الحصى) إلى هنا وندرك أن الرمز في الأدب العربي قديم قدم الأدب نفسه ولم يكن وافداً كما يتوهم البعض.. لكن والحق يقال كان للآداب الجديدة فضل التنسيق والتبويب والتركيز وبمعنى أشمل وأوضح استطاعوا أن يأخذوا المادة كما يؤخذ الخام من أعماق الأرض ويمروه من خلال ممرات محصنة ونفت الخبث ونضمت مبعثرة.. وعلى هذا الاساس فهم الناس أن الرمز من معطيات هذا القرن.
|