يقول أبو القاسم الشابي في قصيدته الشهيرة (فلسفة الثعبان المقدس):
إن السلام حقيقة مكذوبة والعدل فلسفة اللهيب الخابي لا عدلَ إلا إن تعادلت القوى وتصادمَ الإرهابُ بالإرهاب |
وهذا تعبير دقيق - وإن لم يقصده الشاعر - عَمَّا يُمكن أن نسميه: (ثقافة الهزيمة). فرغم أن الشابي قال هذه القصيدة في نصرة المقاومة التونسية زمن الاحتلال الفرنسي لبلاده، وقد يبدو أن لها ما يبررها ظاهرياً آنذاك، إلا أننا يُمكن أن نلمح في بنائها الفلسفي، كيف هي نظرة الإنسان المهزوم (المحتل) إلى (القوة) و(السلام) و(العدل) وكذلك (الإرهاب). ولعل عنونته للقصيدة نفسها (فلسفة الثعبان المقدس) تحملُ الكثير من الدلالات النفسية التي أريد أن أتحدث عنها في هذا المقال. الهزيمة التي أعنيها هنا هي (الهزيمة المعنوية)، هزيمة الإنسان في ثقافته ومعرفته وتردي انتاجه المعرفي والاقتصادي والذي أدى إلى تردي (واقعه) المعاش، الأمر الذي جعله (عالة) على منتجات (الآخر/ العدو) المعرفية والحضارية، والذي مكّن لهذا (الآخر/ العدو) في النتيجة من أن (يحتله) ويستبيح دياره فعلياً، وفيما بعد اقتصادياً وثقافياً ومعرفياً، وانتهت به هذه (الهزيمة) إلى وضع نفسي وثقافي لا يرى فيه (الحياة) إلا من خلال القوة والعنف، والبعد عن العدل والسلام، ومقاومة (الإرهاب) بالارهاب. والشاعر هنا - وإن لم يفصح - يتحدث عما يفتقده لا عَمَّا يملكه، وهذا ما ينطبق -أيضاً- وبنفس القدر من الشعور بالاحباط والهزيمة، على المقولة العروبية الشهيرة: (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة)، التي تجد لها رواجاً لدى الشعوب الناطقة بالعربية، والتي هي منتج لذات الفكر في بعده الفلسفي الذي أنتج وسوغ فيما بعد لثقافة العنف. كما تتجلى هذه (الهزيمة) أيضاً في ظاهرتين متلازمتين وإن بدتا متناقضتين: الأولى (الاذعان) الكامل للهزيمة، والثانية: (الرفض) الكامل للهزيمة. ولا يجد المراقب المنصف الراصد لأدبيات هاتين الظاهرتين - إلا ما ندر - بين كلا الطرفين: الرافضون والمذعنون من يتحدث عن البواعث والأسباب الموضوعية التي أدت في المحصلة إلى (الهزيمة) أساساً، اللهم إلا من يُبررون! فالأمة (المتخلفة) حضارياً التي لا تعيد النظر إلى ذاتها وإلى نقد أسس ثقافتها من جديد وبموضوعية، وتصر على وضعها الراهن، وتتمسك ببواعث وأسباب هزيمتها، ستبقى ما بقي الدهر أمة مهزومة، تعيش على فتات موائد الآخرين، ربما تحقق بعض الانتصارات في المدى المنظور، إلا أن انتصارها سيكون شكلياً، وستخسر على مستوى المضمون حتماً، فهي على الأمد البعيد ستتشرب (الهزيمة) مرة تلو الأخرى رغماً عن أنفها، وإن رفضتها على مستوى الشعار والخطاب الظاهر، طالما أنها لم تغير من أسسها الثقافية والمعرفية والفلسفية على مستوى الجذور وليس على مستوى السطح أو الشكل. الصين - مثلاً - ذات حضارة من أعرق الحضارات على الأرض، يحمل ماضيها كماً وكيفاً الكثير من الازدهار على المستوى الحضاري. غير أن تاريخها (العريق) لم يحمها في النهاية من أن تقع تحت احتلال جارها الأقل عراقة، والأكثر (قوة) ومعاصرة (اليابان) في ثلاثينات القرن الماضي، حتى وصلت الجيوش اليابانية إلى احتلال عاصمة الصين آنذاك (نانكنج) وقاموا بارتكاب المذبحة الشهيرة.. كذلك لم تنفعها (عراقتها) من أن تقع فريسة للاستعمار الإنجليزي الذي اقتطع منها كما هو معروف جزيرة (هونج كونج) ولم تعد إلى الصين إلا عام 97 من القرن الماضي، ولم يبق من أجزائها إلا (تايبيه) التي ستعود حتماً إلى الصين العظمى. وفي النهاية تحررت الصين من براثن الاحتلال والتجزئة، ومن خلال ركام (هزائمها) حاولت أن تتلمس لها (حلاً) حضارياً، ليس بالعودة إلى (تراثها) العريق، والتشبث بما (كان)، و(التقوقع) في كهوف (الأنا)، والماضي (المجيد)، وإنما باستيعاب حضارة (المنتصر).. جربت الصين الحل الاشتراكي فلم تفلح، وها هي الآن تتخلى عنه وتتبنى (اقتصاد السوق) تدريجياً، وتدخل إلى عضوية (منظمة التجارة العالمية WTO) وتحقق معدلات نمو اقتصادية فاقت كل التوقعات (أعلى معدل نمو اقتصادي عالمي)، الأمر الذي هيأها بالفعل لأن تكون في المستقبل نداً محتملاً وحقيقياً للغرب، بعدما (استوعبت) عوامل حضارته، فبعثها هذا (الاستيعاب) حضارياً من جديد.. وقد تحققت بالمناسبة نبوءة رئيس وزرائها السابق (شو إن لاي) عندما قال للرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون قبل سقوط الاتحاد السوفيتي: (لا يريد أطفالنا أن يعيشوا في القرن القادم في عالم تسوده قوتان فقط، وإنما يطمحون إلى العيش في عالم مثلث القوى والأقطاب تكون الصين أحد أضلاعه)، سقط الاتحاد السوفييتي وبقيت الصين، وها هو (الحلم) يكاد أن يتحول إلى حقيقة. وأتذكر أننا قبل (هزيمة) حرب 67 المذلة، والتي لم تكلف اسرائيل أكثر من (ستة أيام)، كنا نردد:
لنا مدنية سَلفت سنحييها وإن دثرت لسان الضاد يجمعنا بقحطان وعدنان! |
وها نحن بعد ثمانية وثلاثين عاماً من تلك الهزيمة (الفضيحة) نكتشف للأسف أن لا (لسان الضاد) ولا (قحطان) ولا (عدنان) ولا حتى (فلسفة الثعبان المقدس)، مجتمعة يُمكن أن تقيلنا من تعثرنا الحضاري، وتعيد لنا (سالف) قيمتنا المندثرة، وتنتشلنا من هزائمنا.. ربما لأننا أمة (شعر) لا أمة (فكر)!!
|