Friday 21st October,200512076العددالجمعة 18 ,رمضان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "فـن"

سكينة تتهم (ريا).. وابنتها تطلب الحماية للاعتراف.. و17 امراة ذهبن ضحيتهما سكينة تتهم (ريا).. وابنتها تطلب الحماية للاعتراف.. و17 امراة ذهبن ضحيتهما
( فن ) تنشر الصور الحقيقية والقصة الكاملة لأشهر جريمة في مصر

  * بيروت - متابعة - هناء حاج:
على الرغم من مرور قرابة القرن على قصتهما إلا ان سيرتهما لا تزال تدور في كل بيت وعلى كل شفة ولسان، فقد أشعلت القصة التاريخية للمرأتين
(ريا وسكينة) مخيلة الكثير من الكتّاب والمخرجين وفاضت على أفكارهم الخيالية افكارًا جديدة، وغذت طموحاتهم الكتابية وأعطتهم زخماً لا يوصف، ولم يتوقف الأمر عند حدود الأعمال الفنية بل صار يضرب المثل بهما، aحتى بين الصديقات، فعندما تجتمع فتاتان على صداقة طويلة يقال عنهما (مثل ريا وسكينة) وعندما تتفق شقيقتان يوصفان بريا وسكينة، وحتى الأعمال الجيدة اقترن اسمها باسم تلك المرأتين، لما ذاع من صيتهما عن تقاربهما حتى لو كان شراً، ولكن قلة من يعرف القصة الحقيقية لهاتين المرأتين إلا عبر ما تقدمه الأفلام والمسرحيات عنهما، حتى المسلسل الجديد (ريا وسكينة) الذي تقوم ببطولته عبلة كامل وسمية الخشاب، الذي هو اقرب إلى القصة الواقعية في بعض معالجاته.
ريا وسكينة
فنانتان جديرتان بالتقدير
وعلى الرغم من مرور أجيال على القصة إلا ان ذاكرة الناس تنشط في كل موسم ومع قراءة أي خبر عن أية جريمة قد تحصل ففي عام2000 طالعتنا احدى الصحف بجريمة مماثلة لكن مع أم وابنتها، وهذه القضية عادت لتغذي أفكار الكتاب والمؤلفين.
فكانت أول الأعمال الفنية التي تحدثت عن قصة (ريا وسكينة) الفيلم السينمائي الذي أنتج عام 1955 وكان بطولة نجمة إبراهيم بشخصية ريا وزوزو حمدي الحكيم بشخصية سكينة والممثل أنور وجدي بدور ضابط الشرطة الذي يكشف الجريمة، إلا ان الفيلم لم يصور كامل تفاصيل الجرائم ووقائعها حتى إنه حوّر في بعض التفاصيل لتلطيف الاجواء الفنية على المشاهد، وكان من إخراج صلاح أبو سيف الذي اعتمد في تلك الفترة على الاخبار التي نشرتها الصحف حول الحادث، وبعدما التصقت شخصية ريا بنجمة إبراهيم ظهرت في فيلم كوميدي آخر بنفس العنوان مع اسماعيل ياسين لتظهر الشخصية بطريقة ساخرة من الجرائم.
وفي فترة لاحقة قدمت مسرحية (ريا وسكينة) بطولة شادية وسهير البابلي لتنال المجرمتان تعاطفاً غير مسبوق من الجمهور المشاهد من خلال طريقة الحبكة الروائية التي قدم فيها الكاتب حسين كمال الشخصيتين بأسلوب كوميدي عاطفي، ظهرت خلاله ريا وسكينة كضحيتين للظروف والبيئة والجهل فانتقمتا من المجتمع بجرائمهما، لكن قدرة الله عاقبتهما، وحتى في العقاب نالتها تعاطفاً أيضا من الجمهور.
والأكثر سخرية الفيلم السينمائي الساخر بالعنوان نفسه الذي قدمه يونس شلبي وشريهان، حيث جسدا معاً شخصية القاتلتين ليحتالا من جهة ويكتشفان حقائق عن عصابات من ناحية ثانية.
وفي كل الأحوال باتت عبارة (ريا وسكينة) التي تداولها جميع الأعمال الفنية (ارتاحي يا شابة) على شفة كل من يريد السخرية على الآخرين، أما في العصر الحالي فقد عرضت هذه القضية من جديد بطريقة وحبكة فنية لا تبتعد عن الواقع كتبها صلاح عيسى واخرجها جمال عبد الحميد، وظهرت شخصيتا ريا وسكينة مع عبلة كامل وسمية الخشاب كأنهما حقيقيتان كون القصة هي الأقرب الى الحقيقة، من ناحية شخصية ريا المعلمة وسكينة القوية التي تعرف كيف تدير شؤون نفسها وشؤون غيرها ايضاً.
وكذلك من ناحية أداء كل من الممثلين سامي العدل بشخصية حسب الله الإنسان الوصولي الطماع، ورياض الخولي الضعيف أمام حب سكينة فيبتعد عن الأعراف والتقاليد الاجتماعية، وأحمد ماهر في شخصية البلطجي عرابي.
في العمل الجديد (ريا وسكينة) اكتملت بعض العناصر الحقيقية في تصوير القضية الإنسانية في الموسم الجديد.
وتظهر شخصيتا ريا وسكينة في حبكتهما الجديدة بصورة مطولة الأحداث حيث تصل إلى اربعين حلقة تستمر إلى ما بعد شهر رمضان على الفضائيات العربية، تظهر كأنها تدفع المشاهد الى التساؤل عن مجريات الأحداث، فهل ستكون ريا وسكينة ضحيتين أم قاتلتين، كونهما لم تظهرا سوى استهتارهما وتخطيهما الأعراف الاجتماعية، ومع هذا لم تظهر حتى الآن بعد سلسلة حلقات تجاوزت الخمس عشرة حلقة من مظاهر الجرائم،فالانتظار ما زال في بدايته والاستنتاج يظهر تدريجياً.
من ناحية أخرى أظهرت عبلة كامل اندماجاً كلياً في الدور كعادتها في أدائها التمثيلي في أي دور مثلته، بينما كانت سمية الخشاب مثال الممثلة القديرة التي تستطيع الابتعاد عن الرومانسية والبراءة التي كانت تعطى لها من قبل المخرجين والمنتجين، لأن ملامحها الناعمة ساعدتها على تقديم الأدوار المليئة بالأنوثة، ولكنها تمكنت من خلال شخصية (سكينة) ان تظهر هذه الأنوثة وتستغلها في تحوير مجرى الدور لاستقطاب المشاهد، اولاً: من خلال جمالها وشخصيتها الناعمة، وثانياً: من استدراج المشاهد لمتابعتها في كيفية إظهار الشخصية البشعة المجرمة التي كانت في الحقيقة، امرأة تسعى الى أن تكون جبارة حتى أمام المشنقة حيث قالت لعشماوي: (انا امرأة جدعة) ولم تخف الموت لأنها تعتبره جرأة وجدعنة.
ومن ناحية الإخراج تمكن المخرج جمال عبد الحميد من إظهار الامكنة والتركيز على تعبيرات الممثلين بحلة تحكي عن حقبة قديمة حتى في بعض التعبيرات السوقية التي تظهر بساطة الناس وحنكة الآخرين، خصوصاً أولاد الشوارع والبلطجية.
والسؤال يبقى هنا: هل سيظهر الكاتب كل تفاصيل القصة الحقيقية والأدوار التي ستتبعها من حقائق الناس وتفاصيل المخبرين الذين لم تنصفهم الأعمال الفنية الأخرى، مع ان للمخبرين الدور الأكبر والابرز في كشف قضية الجرائم واختفاء النساء، وهل سيظهر بديعة (ابنة ريا) التي لا تبدو إلا صامتة ومراقبة وهل ستظهر كل الوقائع بما فيها المحاكمة وما بعدها، وتفاعل الجمهور معها ام سيترك مجرى الأحداث لاستنتاج المشاهد؟
وقائع قصة ريا وسكينة الحقيقية
ما هي حقيقة (ريا وسكينة) اللتين شغلتا الناس ودوختا أجدر رجال الشرطة في مصر؟ ومن اين جاءتا؟ وكيف كانت ظروفهما؟ وكيف انتقلتا إلى السينما والتلفزيون؟ وهل كان الفقر سبيلاً لجرائمهما البشعة ام الطمع والجشع وقلة الإيمان؟ لم تكن شخصية ريا وسكينة على الرغم من تقلباتها واختلافاتها الفنية إلا واقعا لم يتغير عبر ارشيف الشرطة المصرية، من على شط اسكندرية ومنطقة (المرسي ابو العباس) كما يطلق عليها الاسكندرانيون (بدأت الحكاية في النصف الاول من القرن الماضي وتحديداً في شهر يناير عام1920، عندما بدأت السيدات والرجال بتقديم شكواى عن اختفاء بناتهم وزوجاتهم واخواتهم، واقتران اسم كل فتاة أو سيدة باسم ريا وسكينة، حتى بدأت خيوط القضية تتضح خيطا تلو الآخر.
لم تتوقف البلاغات وسيطر الخوف على كل البيوت من حكاية عصابة خطف النساء التي صارت على كل لسان.
أول البلاغات عن مذبحة النساء كانت حينما تقدمت امراة تدعى زينب حسن ببلاغ إلى حكمدار بوليس الاسكندرية عن اختفاء ابنتها نظلة ابو الليل وعمرها 25 عاماً منذ عشرة أيام بعد أن زارتها سيدة تاركة غسيلها منشوراً فوق السطوح، ولم ينقص من شقتها شيء.
ووصفت ابنتها الأمر بأنها نحيفة الجسد، متوسطة الطول، سمراء البشرة، تتزين بغوايش (أساور) من ذهب في يدها وخلخال فضة وخاتم حلق ذهب وكانت تخشى الأم أن تكون ابنتها قد قتلت بفعل فاعل لسرقة الذهب الذي تتحلى به.
وعندها دخلت الريبة المقر الرسمي وبدأت التحقيقات تأخذ منحى جديدا والبحث يتحول في معظم الشوارع، وبعد اقل من شهر أي في 16 مارس من العام نفسه جاء البلاغ الثاني من رجل يدعى محمود مرسي عن اختفاء أخته زنوبة حرم حسن محمد زيدان، ولكنه ذكر اسم ريا وسكينة في بلاغه عندما قال:
إن زنوبة خرجت لشراء لوازم البيت فقابلت سكينة وأختها ريا وذهبت معهما إلى بيتهما ولم تعد منذ تلك اللحظة.
ولم تمضِ أيام قليلة حتى تقدمت فتاة عمرها 15سنة لتبلغ عن اختفاء أمها زنوبة عليوة وهي بائعة طيور عمرها36 عاماً، وذكرت أيضا أمام وكيل النيابة اسم سكينة كونها آخر من قابلت والدتها.
في الوقت نفسه يتلقى محافظ الاسكندرية بلاغاً أيضا من حسن الشناوي الجنايني بجوار نقطة شرطة المعزورة بالقباري، يؤكد صاحب البلاغ أن زوجته نبوية علي اختفت منذ عشرين يوماً، وبدأت الحكايات تجوب شوارع الإسكندرية وجوارها من المدن وتصاب بفزع ورعب، لأن البلاغات عن الجناة المجهولات اللائي يخطفن النساء لم تتوقف، إذا تلقى محافظ الاسكندرية بلاغا جديدا من محمد احمد رمضان (نجار) عن اختفاء زوجته فاطمة عبد ربه وعمرها50 عاما وهي تعمل (شيخة مخدمين) وقال الزوج في بلاغه:
إن زوجته فاطمة وهي قمحية اللون طويلة القامة، فقدت البصر بعينها اليمني ولهذا ينادونها بفاطمة العوراء، وترتدي ملاءة (كوريشة) سوداء وجلبابا كحليا وتنتعل في قدميها صندلا وعندما خرجت كانت تحمل معها 54 جنيهاً وتتزين بـ18 سوارا (غوايش) وزوج مباريم (اساور كبيرة مبرومة) وحلق وكلها من الذهب الخالص.
وأكثر البلاغات التي اثرت في رجال المباحث بلاغ عن اختفاء طفلتين الأولى فتاة عمرها 13عاماً اسمها قنوع عبد الموجود، والثانية فتاة تدعى لولو مرصعي وعمرها12عاما تعمل خادمة لدى تاجر سوري الجنسية اسمه الخواجة وديع جرجس، خرجت لشراء أشياء من السوق ولم تعد.
ولم تتوقف البلاغات إذ جاء بعد تلك الأخبار خبر عن اختفاء سليمة إبراهيم الفقي بائعة الكيروسين التي تسكن بمفردها في حارة اللبان، ثم بلاغ آخر تلقاه اليوزباشي إبراهيم حمدي نائب مأمور قسم اللبان من السيدة خديجة حرم أحمد علي الموظف بمخازن طنطا، قالت صاحبة البلاغ وهي سودانية الجنسية إن ابنتها فردوس اختفت فجأة وكانت تتزين بمصاغ ثمنه60جنيها وزوج أساور ثمنه35 جنيها وحلق قشرة وقلب ذهب معلق بسلسلة ذهب وخاتمين حريمي بثلاثة جنيهات.
وبعد هذه القصة استدعى اليوزباشي إبراهيم حمدي كل من له علاقة بقصة اختفاء فردوس ونجح في تتبع رحلة خروجها من منزلها حتى لحظة اختفائها، وكانت المفاجأة أن يظهر اسم سكينة من جديد لتكون آخر من شوهدت مع فردوس.
ويتم استدعاء سكينة ولم تكن المرة الأولى التي تدخل فيها سكينة قسم الشرطة لسؤالها في حادث اختفاء إحدى السيدات، ومع هذا تخرج سكينة من القسم وقد نجحت ببراعة في إبعاد كل الشبهات عنها وإبطال كل الدلائل ضدها.
وأمام هذا الواقع عجزت أجهزة الأمن أمام كل هذه البلاغات لأنه لا توجد اي إثباتات أو وقائع تدينها أو تدين شقيقتها ريا، ولكن عندما تتدخل عدالة الله وتربط الخيوط كلها بعضها ببعض، تظهر الحقيقة وتنقذ الناس وتضع حداً للجرائم الشنيعة التي ارتكبت طمعاً وإجراماً.
اقل من سنة بدأت ظواهر الجرائم تظهر في المناطق الساحلية بين البيوت وعلى الطرقات العامة وحتى داخل البيوت وتحت الأدراج، فكانت أول إشارات عندما تلقى اليوزباشى إبراهيم حمدي في11ديسمبر إشارة تليفونية من دورية بشارع أبي الدرداء تفيد بالعثور على جثة امرأة ملاقاة على الطريق العام، عثر عليها زبّال المنطقة مرمية تحت سطل غسيل قديم، وقد عرفت أنها لامرأة من بقايا عظام وشعر رأس طويل بعظام الجمجمة وجميع أعضاء الجسم منفصلة عن بعضها وبجوار الجثة طرحة من الشاش الأسود وفردة جورب سوداء مقلمة بأبيض.
ولم يمكن التعرّف على صاحبة الجثة فاعتبرت من الغائبات لأن أحداً لم يتقدم للتعرف عليها.
وفي منطقة اخرى تقدم رجل ضعيف البصر اسمه احمد مرسي عبده ببلاغ إلى الكونستابل الإنجليزي جون فيليبس النوبتجي بقسم اللبان يقول فيه إنه اثناء قيامه بالحفر داخل حجرته لإدخال المياه والقيام ببعض أعمال السباكة فوجئ بالعثور على عظام آدمية فأكمل الحفر حتى عثر على بقية الجثة، وهذا ما دفعه الى الإبلاغ عنها فوراً.
تحمس الملازم الشاب بقسم اللبان للبلاغ المثير فأسرع بنفسه إلى بيت الرجل الذي لم يكن يبعد عن القسم أكثر من50 متراً، واكتشف أنه أمام مفاجأة جديدة في عمل تحريات مكثّفة توصله إلى أن البيت الذي عثر فيه الرجل على جثة آدمية كان يستأجره رجل اسمه محمد أحمد السمني وكان هذا الرجل يؤجر حجرات البيت من الباطن لحسابه الخاص ومن بين هؤلاء الذين استأجروا من الباطن في الفترة الماضية سكينة بنت علي وصالح سليمان ومحمد شكيرة، وأن سكينة بالذات هي التي استأجرت الحجرة التي عثر فيها الرجل على الجثة تحت البلاط.
وأكدت تحريات الضابط أن سكينة استأجرت من الباطن هذه الحجرة ثم تركتها مرغمة بعد أن طرد صاحب البيت بحكم قضائي المستأجر الاصلي لهذه الغرف وبالتالي شمل حكم الطرد المستأجرين منه من الباطن وعلى رأسهم سكينة.
وقال الشهود من الجيران إن سكينة حاولت العودة إلى استئجار الغرفة بكل الطرق والإغراءات لكن صاحب البيت أنكر عدم شكاوى كل الجيران من سلوك سكينة والنساء الخليعات اللاتي يترددن عليها مع بعض الرجال البلطجية.
وأمام هذا الوضع وظهور الجثتين المجهولتين نشر عدد كبير من المخبرين السريين في كل انحاء الإسكندرية بحثاً عن أي أخبار تخص عصابة خطف النساء.
وفي هذه الفترة بدأت ملامح القضية تظهر بعدما اتجهت أصابع الاتهام لأول مرة نحو سكينة.
لاحظ أحد المخبرين السريين واسمه أحمد البرقي انبعاث رائحة بخور مكثفة وانطلق بشكل مريب من نافذة غرفة ريا في الطابق الأرضي بمنزل خديجة أم حسب الله في شارع علي بك الكبير، مما أثار شكوكه فقرر دخول الغرفة التي يعلم أن من تسكنها هي ريا أخت سكينة، وحينما سألها عن سبب إشعال هذه الكمية الكبيرة من البخور في غرفتها أصابها ارتباك شديد، وأمام إصرار المخبر على معرفة الاجابة أخبرته انها كانت تترك الحجرة وداخلها بعض الرجال الذين يزرونها وبصحبتهم عدد من النساء، وعند انصرافهم تعود هي فتجد رائحة الغرفة لا تطاق فتضطر لإشعال كميات من البخور لإزالتها.
إلا ان هذه الاجابة لم تقنع المخبر بل زادت الشك في صدره، وإصراره هذا اعطاه دوراً كبيراً في فك رموز هذه القضية واعطاه شهرة لم ينلها اكبر الضباط في الإسكندرية.
عندها أسرع المخبر احمد البرقي إلى اليوزباشي ابراهيم حمدي نائب مأمور قسم اللبان ليبلغه بشكوكه في ريا وغرفتها، على الفور انتقلت قوة من ضباط الشرطة والمخبرين والصولات إلى الغرفة ليجدوا أنفسهم أمام مفاجأة جديدة، لقد شاهد الضابط رئيس القوة صندرة من الخشب تستخدم للتخزين داخلها والنوم فوقها، فأمر الضابط بإخلاء الحجرة ونزع الصندرة ليكتشف أن البلاط الموجود فوق أرضية الغرفة وتحت الصندرة حديث التركيب بخلاف باقي بلاط الحجرة، صدر الأمر بنزع البلاط وكلما نزع المخبرون بلاطة تصاعدت رائحة العفونة بشكل لا يحتمله إنسان، إلى أن تم نزع أكبر كمية من البلاط لتظهر جثة امرأة فتصاب ريا بالهلع ويزداد ارتباكها، عندها يتم التحفّظ على الجثة وتساق ريا إلى قسم اللبان، واثناء وصوله يتم إبلاغه بالعثور على الجثة الثانية والثالثة، ومعها دليل لا شك فيه وهو وجود ختم حسب الله (زوج ريا) مدفون مع احداها قد يكون سقط منه وهو يدفن الجثث، وامام هذه الإثباتات لم تعد ريا قادرة على الانكار.
وعلى الرغم من الوقائع والدلائل والثوابت لم يكن اعتراف ريا كاملاً لأنها قالت إنها لم تشترك في القتل ولكنها كانت تترك الغرفة لرجلين هما عرابي وأحمد الجدر، اللذين كانا يأتيان فيها بالنساء، وربما ارتكبا جرائم قتل في الغرفة أثناء غيابها.
وبعد الاعترافات طلب الضابط كل من ورد اسمه في البحث للتحقيق معهم، بمن فيهم حسب الله زوج ريا.
وبعد الكشف على الجثث عرفت الشرطة اسماء النساء اللواتي دفنَّ في غرفة ريا وهن فردوس وزنوبة بنت عليوة وامينة، وهذا ما أدى إلى كشف أهم خيوط القضية، فبدأت الاعتقالات، لتتضح معها معالم جديدة واكتشافات يكشفها الصول العجوز محمد الشحات هذا الذي اكتشف أن ريا كانت تستأجر غرفة أخرى في حارة النجاة من شارع سيدي اسكندر وأختها سكينة كانت تستأجر غرفة بالقرب منها، فانتقلت قوة من الشرطة إلى العنوان الجديد وأخلت الغرفتين من سكانها واكتشفوا أن غرفة سكينة كانت تحتوي على صندرة خشبية تشبه الصندرة التي كانت في غرفة ريا فنزعت وتم الحفر تحت البلاط وبدأت الجثث في الظهور.لقد اتضحت الصورة تماما، جثث في جميع الغرف التي كانت تستأجرها ريا وسكينة في المنازل رقم 5 ش ماكوريس و38 ش علي بك الكبير و8 حارة النجاة و6 حارة النجاة ويشمّع منزل سكينة.
وبعد سلسلة بحث وتفتيش لم يتوقف رجال الشرطة عن متابعة تحرياتهم واكتشفوا حقائق جديدة بعدما فتشوا منازل جميع المتهمين، ووجدوا في منزل عرابي حسان ومنزل أحمد الجدر مصوغات وصورا وكمبيالة بمائة وعشرين جنيهاً في بيت المتهم عرابي حسان، وأوراقا اخرى في بيت احمد الجدر، وعلمت الشرطة أن ريا كانت تسكن بيتا آخر في منطقة كرموز، حيث أكد شيخ الحارة أن ريا تركت هذا السكن بحجة أن المنطقة سيئة السمعة، فقامت قوة من الشرطة باصطحاب ريا من السجن إلى بيتها في كرموز، وتم الحفر هناك فعثر الضباط على جثة امرأة جديدة.
وعند مواجهة سكينة بالتفاصيل خصوصاً بعد اكتشاف جلباب امرأة تدعى نبوية أكد بعض النسوة لها أن سكينة كانت تتنكر بطريقة مراوغة وتقول إنها تبادلته مع نبوية، إلا ان مراوغتها لم تطل في مواجهة اعترافات شقيقتها ريا التي ذكرت أنها امرأة ساذجة وان الرجال كانوا يأتون بالنساء الى غرفتها أثناء غيابها ثم يقتلونهن قبل حضورها، وانها لم تحضر سوى عملية قتل واحدة.
وحتى هذه الحجة لم تقنع الشرطة خصوصاً أمام شهادة ابنة ريا بديعة التي اعتبرت شاهد إثبات بعد طلبها الحصول على الأمان قبل الاعترافات لكي لا تنتقم منها خالتها سكينة وزوجها، وبعد حصولها على مبتغاها اعترفت بديعة بوقائع استدراج النساء إلى بيت خالتها وقيام الرجال بذبحهن ودفنهن، ورغم الاعترافات الكاملة لبديعة الا انها حاولت ان تخفف من دور امها ريا ولو على حساب خالتها سكينة.
وكانت سكينة في تلك المرحلة قد بدأت تعترف وتحاول التخفيف من دور زوجها عبد العال كونها تحبه، ولكن في النيابة تمت المواجهة بين ريا وسكينة، فقامت الثانية بالاعتراف بأن ريا وزوجها حسب الله وعرابي ورجل ثالث اسمه عبد الرزاق هم من ورطوها مع زوجها عبد العال لتشهد على جريمة قتلهم جارتها (هانم) التي اشترت بعض الذهب وقتلوها واستولوا على ذهبها.
وبعدما هددوا سكينة بقتلها إذا تكلمت أعطوها بعض المال، وعندما رأت المال في يديها وقضت حاجتها به فكرت: لما لا تكون شريكة معهم وتكسب المال؟، وتابعت سكينة اعترافاتها بقتل 17سيدة وفتاة، وبعد تورطها كانت تتقاضى نصيبها من كل جريمة قتل دون خوف من أن تتعرض للأذى من زوجها أو زوج اختها ورجالهما.
وبعد اعترافهم أوعزوا جميعا إلى أن الظروف والفقر هما اللذان أديا بهما إلى هذه الجرائم امرت النيابة بمحاكمة المتهمين جميعاً.
وبعد مرور ثلاث سنوات تقريباً على الجرائم التي مورست في مناطق عدة وتحديداً يوم10مايو عام1921 انعقدت المحكمة بعد استكمال كل التفاصيل للكشف عن أفظع جرائم عرفتها الإنسانية في المجتمع المصري، وبعد مرافعة النيابة حكم على المتهمين بالإعدام يوم الاثنين 16مايو عام1921 الموافق 8 رمضان سنة 1339 وقيدت هذه القضية بجدول النقض تحت رقم 1937 سنة 38 قضائية وحكم فيها من محكمة النقض والإبرام برفض الطعن في30 أكتوبر سنة 1921. ونفذ حكم الإعدام داخل الإسكندرية في21 و22 ديسمبر سنة1921 وشهدت مصر للمرة الأولى حكم إعدام للنسوة داخل السجون.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved