Monday 7th November,200512093العددالأثنين 5 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

في إجازة العيدفي إجازة العيد
عبدالله الصالح العثيمين

قبل أربعة أيام حلَّ يوم عيد الفطر بعد أن صام المسلمون شهر رمضان المبارك؛ سائلين الله الذي بلَّغهم إيّاه، أن يتقبَّل منهم صيامه وقيامه وكلّ عمل صالح قاموا به خلاله. وكاتب هذه السطور يتضرَّع إلى الله قابل التوب، واسع المغفرة، أن يستجيب دعاء عباده المخلصين، وأن يعيد عليهم الشهر المبارك، الذي أُنزل فيه القرآن، واختص بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر؛ وهم قد كُشِفت عنهم سدول الغمة، وزالت عنهم الأخطار المدلهمّة.
وقبل ثلاثة أسابيع وصلت إليَّ نسخ من كتاب صدر لي من دار الرائي بدمشق عنوانه: مقالات عن الهم العربي. كنت قد حاولت الهروب من ذلك الهم قبل ثلاث سنوات عندما ذهبت إلى مرتع الصبا في إجازة عيد الأضحى. وحينذاك كتبت مقالة عنوانها: (هروب مؤقت من الهم). وقد بدأت تلك المقالة بالقول:
(ما زال من لديه أدنى شعور تجاه قضايا أُمّته يعاني أثقل الهموم وطأة. وذلك لما وصلت إليه من أوضاع لا تسرُّ إلاّ أعداءها من الصهاينة والمتصهينين. فما برحت تزداد عنفاً حرب الإبادة المجرمة التي يرتكبها الصهيونيون ضد الشعب الفلسطيني الصامد على الرغم من جبروت الأعداء، ورؤيته أُمّته متسربلة بأثواب الهوان ترقب ما يمارَس ضدها، وينفَّذ لطمس هويتها).
وكان من نتائج محاولتي الهروب من هم الأُمّة أن تحدَّثت عن مسقط الرأس، ومرتع الطفولة، ومسرح الصبا .. (فيحاء القصيم .. الوطن الصغير الذي كلّ ما فيه فردوس مشاعر فسيح: الأقارب، والأصدقاء، والأرض، والبناء، والشجر والماء ... كلّها ينابيع راحة، وجداول سعادة). ثم أشرت إلى شيء مما سعدت بالقيام به خلال إجازة العيد، وشيء من تاريخ تلك الفيحاء.
وما ازدادت وطأة الهم العربي - بعد كتابة تلك المقالة - إلاّ ثقلاً على النفوس المهتمة بقضايا أُمّتها. فالجرائم الصهيونية المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني على أشدِّها، وإن حاول اللاهثون وراء سراب التسوية مع الكيان الصهيوني الإرهابي، الذي يستغل المماطلة لإكمال مخططه في تهويد الأرض العربية، وطمس هوية فلسطين العربية الإسلامية. ولم يقتصر الوضع الموجب للهم على ما يحدث في بلاد الإسراء والمعراج. فقد انضم إلى ذلك ما يحدث في بلاد الرافدين من نجاح المحتل المتصهين في تدمير العراق؛ بنية أساسية، ووحدة وطنية، ونجاحه في نهب ما نهب من تراثها العريق؛ وربط إمكاناتها الاقتصادية الغنية بشركاته. وما حدث من نُذُر وآيات لم تغن - مع الأسف الشديد - بعض القيادات العربية السياسية والنخب الثقافية، إذ استمرت في غيِّها، وتمادت أكثر فأكثر ارتماء في أحضان أعدائها.
ومرة أخرى سأحاول الهروب من قبضة الهم العربي؛ فأنا في إجازة عيد الأضحى أتنعَّم بوجودي بين أحضان فيحاء القصيم. وسعادتي وأنا في هذه الأحضان نبعت عندما كنت أحاول ترتيب مكتبتي المنزلية الصغيرة. ذلك أني مررت بكتب العلاَّمة السابق لزمانه تفتُّحاً على ما هو جديد ... الشيخ الزاهد عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله رحمة واسعة -. ومن أتاح الله له فرصة معرفة ذلك العالم الورع المتطوِّر فكراً معرفة شخصية، أدرك فضله العظيم؛ غزارة علم، وعمق إدراك، وسماحة خلق، وسعة أفق. ومن لم تتح له تلك الفرصة، لكن أُتيح له الاطِّلاع على ما خطَّت يمينه من كتب ورسائل، يدرك - هو الآخر - ذلك الفضل العظيم.
وسعادتي لا تضاهى؛ إذ كنت من الفريقين .. ممن عرفه معرفة شخصية حميمة، وممن اطَّلع على ما أنتجه من علم غزير نافع. ما زلت أذكر نشوة السعادة عند ما كان يشرِّف منزلنا، فيشيع وجوده البهجة والمودة في مجلس استقباله، أو عندما كان يلبِّي الدعوة إلى نزهة في مزرعتنا الواقعة في وادي الرمة، فيزيد بلطفه الحب لتلك المزرعة حباً. وما زلت أذكر خطبه الجميلة المفيدة في أيام الجمعة ويومي العيدين؛ متكلِّماً عما يناسب المقام والزمن، ومتفاعلاً مع ما هو جديد من أحداث. وما زلت أذكر إشرافه على المعهد العلمي، الذي كنت أحد طلابه؛ متورِّعاً عن أخذ مرتَّب، أو مكافأة، على ذلك الإشراف. وكان من حرصه على القيام بما تحمَّل مسؤوليته متبرِّعاً حضوره المستمر لنادي المعهد. وكان من ذلك حضوره لتمثيلية عن غزوة بدر كتبها وأخرجها أستاذنا الفاضل عبد الكريم الأسعد الذي كان يدرِّس اللغة العربية في المعهد حينذاك، وكان خطيباً مفوَّهاً لا يُشق له غبار. وقد قام بدور النساء المسلمات في تلك الغزوة أحد الزملاء؛ مرتدياً عباءة امرأة.
وحين فجع المسلمون بانتقال ذلك العالم إلى جوار ربه عام 1376هـ، كنت في السنة الرابعة بمعهد عنيزة. وقد عبَّرت عن شعوري بفجاعة الحدث بقصيدة مطلعها:


مُهَجٌ تذوب وأنفس تتحسَّر
ولظى على كل القلوب تُسَعَّر
الحزن أضرم في الجوانح والأسى
يصلى المشاعر باللهيب ويصهر
ماذا أقول عن المصاب ومهجتي
ألماً تغصُّ وعبرتي تتكسَّر

وأشرت إلى مشاعر الجميع بقولي:


كل امرئ فينا يذوب تعاسة
والحزن في دمه يفور ويزخر
الشيخ يبكي بائساً متحسِّراً
والطفل من فرط الأسى يتعبَّر
لِمَ لا وقد فقدوا أباً ومعلِّماً
ورعاً بأنواع المفاخر يُذكَر؟

ثم ختمتها بالقول:


يا ناصر الإسلام ضد خصومه
لك في الجهاد مواقف لا تحصر
أرويت من فيض المعارف ظامئاً
وهدى الحيارى منك فكر نيِّر
دوَّنت شرع الله مؤتلق الرُّؤى
الكتب تشهد والرسائل تخبر
وقضيت عمرك للمهيمن داعياً
وبسنّة الهادي البشير تعبِّر
كم من فؤاد عام في لجج الهوى
أنفذته أيام كنت تذكِّر
بصَّرته بهدى الشريعة فارعوى
عن غيِّه فلك الجزاء الأوفر
طوراً تحذِّره العذاب وتارة
برضى الإله وما أعدَّ تبشِّر
ولكم خطبت موضِّحاً ومذكِّراً
أن الحنيف على العباد ميسِّر
يا زاهداً عرف الحياة فما هوى
في المغريات ولا سباه المظهر
نم في جنان الخلد يا عَلَم التقى
و انعم بظل وارف لا يحسر

ولقد ألَّف الشيخ عبد الرحمن - رحمه الله - كتباً ورسائل تحدَّث عن 42 منها الباحث الفاضل عبد الرزاق العبَّاد في كتاب عنوانه: الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة. وفي طليعة إنتاجه كتاب: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان. ومن الرسائل اللطيفة الموجزة التي ألَّفها رسالة الدلائل القرآنية في أنّ العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي. ورسالة الوسائل المفيدة للحياة السعيدة. والرسالة الأولى في ستة عشر فصلاً، خصَّ أحدها بالحديث عن أمر الله بالتفكُّر والتدبُّر في السموات والأرض وما خلق من شيء، وحثَّه - سبحانه - على استعمال الفكر في آياته المخلوقة، وفي آياته القرآنية. وخصَّ أحد تلك الفصول بالكلام عن أمر الله بالشورى في جميع الأمور الدينية والدنيوية المتعلِّقة بالمسلمين وغيرهم؛ مشيراً إلى دلالة ذلك على أنّ الأمور التي توضَّحت مصلحتها ومنفعتها تتعيَّن المبادرة إلى فعلها، وما وضحت مضرَّته يتعيَّن البعد عنه، وما اشتبه منها يستعان عليه بالمشاورة حتى يتضح فيه الصواب ويتبيَّن النفع أو الضرر.
وأمّا الرسالة الثانية؛ وهي الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، فيقال: إنّ الشيخ - رحمه الله - ألَّفها بعد أن اطَّلع على كتاب دع القلق وابدأ الحياة. وأوضح في تلك الرسالة أنّ الإسلام قد أرشد إلى وسائل مفيدة يتغلَّب بها المسلم على قلقه وهمِّه وغمِّه لينعم في حياة سعيدة. وقد أشار إلى عشرين وسيلة من تلك الوسائل. وأولاها الإيمان والعمل الصالح. ومنها الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل وأنواع المعروف. ومنه الاشتغال بعمل من الأعمال أو علم من العلوم النافعة؛ إذ يصرف ذلك القلب عن اشتغاله بما يقلقه. ومنها جمع الفكر على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر بحيث لا يحزن على ما فاته في الماضي ولا يخاف مما قد يحدث له في المستقبل. ومنها أن ينظر المرء إلى من هو دونه.وختم الشيخ - رحمه الله - تلك الوسائل بوسيلة مفادها أنّ من الأمور النافعة حسم الأعمال في الحال، والتفرُّغ في المستقبل، ذلك أنّ الأعمال إذا لم تحسم اجتمع على المرء بقية الأعمال السابقة، وانضافت إليها الأعمال اللاحقة، فتشتد وطأتها. فإذا حسم كلَّ شيء بوقته أتى الأمور المستقبلة بقوة تفكير وقوة عمل.رحم الله الشيخ عبد الرحمن، وجزاه خير الجزاء على ما قدَّم لأُمّة الإسلام من علم غزير وموعظة حسنة، ووفَّق الجميع لما فيه الخير والسداد.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved