تشير الكتابات والتحليلات المتعمقة لمعطيات العصر ومتغيراته إلى أن البشرية لم تعرف من قبل هذا الانفجار المعرفي المتسارع الإيقاع، ومقوماته التقنية في مجال الاتصالات التي تحمل نماذج متعددة من العقائد والأفكار والثقافات من مجتمع لآخر، التي قد تؤدي إلى ما يُسمى بصراع الأجيال، وتزاوج الأفكار والمعتقدات نتيجة حدوث أشكال مختلفة من التغيرات في الحياة الفكرية، ومظاهر العادات والقيم الاجتماعية في هذا المجتمع وذاك. وقد ذهب جمع من الكتاب والمنظرين أهل الاختصاص إلى أن من الطبيعي أن تفرز تلك المعطيات المعاصرة نمطاً ما من التغير في الواقع المعاش ينعكس على أساليب الحياة والتفكير والقيم، وتحولات على صعيد الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي، وإثارة الكثير من الجدل حول المخاطر الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تتهدد منظومة القيم والعادات، كما تبرز خطورتها في كيفية التوفيق بين الحقوق الاتصالية للأفراد والمجتمعات ومبدأ الحفاظ على الهوية الثقافية لكل شعب. وتعد فئة الشباب عند هؤلاء المهتمين من أبرز الفئات المرشحة للوقوع في دائرة التأثر نظراً للعديد من العوامل المتعلقة بالمرحلة النمائية التي يمرون بها، وأساليب التنشئة الاجتماعية التي يخضعون لها، وتفاعل الخصائص النفسية والمجتمعية والحضارية منها. وتمثل هذه القناعة المنطلق الأساس لتلك الجهود المتنامية في الأوساط العلمية والجامعية والثقافية والاهتمام بعمليات الغزو الفكري والثقافي دراسةً وتشخيصاً وتحليلاً أملاً في الوصول إلى وصفة خاصة تختزل سبل تحصين الشباب من هذه العمليات التي يتعرضون لها ومن ثم تحقق الأمن الثقافي في المجتمع الذي ينتمون إليه.. وفي سياق الجهود الرامية إلى بحث سبل تفعيل دور المؤسسات التربوية والثقافية في تحصين الشباب وتوعيتهم بعمليات الغزو الثقافي والفكري كان لي شرف القيام بدراسة ميدانية عن (اتجاهات الشباب السعودي تجاه قضايا الغزو الثقافي) منطلقاً من فكرة مفادها أن نجاح جهود التوعية والتحصين للشباب لا تتوقف فقط على الأطر النظرية وما تنتجه من أطروحات بل يقتضي نجاح هذه الجهود أن تنطلق أيضاً من تشخيص واقعي حي للأفكار والمقولات التي تحرك الشباب وتعبر عن اتجاهاتهم نحو القضية المدروسة، وتتعرف على رؤيتهم لكل أبعاد القضية في علاقاتها المتشابكة مع جملة من المتغيرات التعليمية والاجتماعية، ووفق هدف الدراسة هذا تم تحديد أهم قضايا الغزو الثقافي وأبعاده من خلال تحليل الكتابات والدراسات ذات الصلة بالموضوع سواء كان ذلك في كتابات المفكرين أو وقائع المؤتمرات والندوات وعليه تم بناء أداة الدراسة ومن ثم التطبيق. وقد انتهت عملية التحليل إلى استخلاص أهم أبعاد الغزو الثقافي التي تتمثل في: - اتجاهات الشباب نحو عملية الغزو ذاتها. - آليات الغزو الثقافي. - مجالات الغزو الثقافي. وقد أظهرت الدراسة في محورها الأول أن هناك تناقضاً واضحاً في اتجاهات الشباب نحو عملية الغزو الثقافي، فبينما يرى البعض منهم أن المجتمع يتعرض لغزو ثقافي منظم (58.9%) يهدد خصوصيتنا الثقافية (93%) ويجب علينا مقاومة كل الثقافات الوافدة (78.3%)، وأن العولمة في حقيقتها هيمنة ثقافية خاصة على المجتمع المسلم (82.8%) وأن تقنية المعلومات فوضى وتلوث ثقافي لأفكار الشباب(65.9%) وفرض الحداثة عن طريق الضغط الخارجي يمثل غزواً ثقافياً (90.7%)، وأن حاضرنا لا يصلح إلا بما صلح به ماضينا (93.8%). تقف فئة أخرى من الشباب (عينة الدراسة) موقفاً مناقضاً لما ذهب إليه زملاؤهم كما تدل الاستجابات، حيث يرفض 318 طالباً بنسبة (41.1%) تعرض المجتمع لمثل هذا الغزو، ويرى (53.3%) أن من سمات الإنسان المتحضر قبول الثقافات المختلفة، وأن تجاهل العولمة دعوة للانغلاق والانعزال وتعميق التخلف (66.7%) وأن حوار الحضارات يحتم على الشباب التثاقف مع الآخر (76%)، وأن الاحتكاك بثقافة الغرب من أسباب التقدم (48.6%) وأن الانفتاح الثقافي يزيد من وعي الشباب (85.3%) وأن تقنية المعلومات الحديثة ستوحد الثقافات بين الأمم (68.2%)، وأن دعاوى الغزو الثقافي دليل العجز عن التعاطي مع ثقافة الآخر (84.5%)، والدعوة إلى مقاومة الثقافة الوافدة تسلط وقهر وعزل غير مقبول (62.8%). ووجود مثل هذا الفهم الضبابي لدى البعض من عينة الدراسة حول حقيقة وجود غزو ثقافي وفكري مقصود جعلهم يذهبون إلى أن عملية تحقيق الأمن الثقافي في أيامنا هذه توجب علينا غلق الأبواب والانطواء على النفس وتكثير لائحة الممنوعات، والابتعاد عن وسائل الاتصال والإعلام الحديثة. وهذا - في نظري - فهم خاطئ جزماً.. فالأمن الثقافي لا يشكل حالة سلبية تتجسد في صد الناس عن المخاطرة المحتملة بل إنه يعني باختصار: توفير الثقافة الصالحة للناس حتى يتمكنوا من خلالها أن يعيشوا حياتهم المعاصرة بشكل سليم وإيجابي.. وهذا يستلزم أولاً وقبل كل شيء بناء قوة الوجود الثقافي الذاتية التي تقوى لا على المقاومة والصمود فحسب وإنما على الاندفاع والملاحقة والفعل المؤثر، ولكي تتحقق هذه المقولة لا بد من العمل الجاد على تنشئة شبابنا على أمرين مهمين في عالم اليوم هما باختصار: 1 - الاعتزاز بالذات الثقافية الحضارية لنا: لأن الذات الثقافية بمثابة الإطار أو الوعاء الذي يستوعب نتاج المثقف، ومن نافلة القول إن من الواجب على المثقف أن ينطلق في كتاباته من الخطوط العريضة وروح الثقافة الذاتية بما تمثله هذه الثقافة من رموز وأفكار وقيم ومعتقدات. 2 - الانفتاح والحوار مع الثقافات المعاصرة: لأن الثقافة عملية مستمرة لا تتوقف عند حد أدنى تكتفي لتوفيره للناس، وإنما هي تهيئ الأرضية لعملية انطلاق ثقافي تأخذ من الموروث الثقافي والانفتاح على الثقافة المعاصرة نقطة انطلاق وارتكاز في جهدها الثقافي الراهن، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، والتوازن بين (أولاً) و(ثانياً) هو التحدي الحقيقي أمام علمائنا ومفكرينا ومِنْ خلفهم الكتاب والمثقفين على وجه العموم.
|