يتحين الفلسطينيون أية فرصة قد تنم عن السلام ويسعوا جاهدين إلى اغتنامها، وفي المقابل فإن الإسرائيليين لا يفتؤون يمحصون عن أية بادرة للصراع للانطلاق منها نحو عمل عدائي، وعلى هذا المنوال تتواتر فصول هذا الصراع الدامي، رغم المبادرات الإنسانية الفلسطينية وآخرها تبرع أسرة الطفل أحمد خطيب بأعضائه بعد استشهاده بطريقة مريعة على أيدي جنود الاحتلال الذين أمعنوا حقاً في قتله ونسجوا قصصاً من خيالهم لتبرير جريمتهم المنكرة، ومع ذلك فإن الأسرة الفلسطينية تجاوزت عن كل ذلك وبادرت بمد يد السلام عندما علمت بحاجة مرضى إسرائيليين إلى أعضاء بشرية. وتسجل الحادثة نقطة مضيئة في السجل الفلسطيني خصوصاً أنها ليست الأولى من نوعها. كما أنها ليست منعزلة عن السياق العام للتوق الفلسطيني للتسوية، لكنها يمكن أن تضيع في خضم التجاهل الدولي لها خصوصاً من قبل الدول الغربية التي تقول إنها تدعم السلام لكنها في حقيقة الأمر قد تتجاهل مثل هذه البادرة التي لا ينبغي عزلها عن السمة الغالبة للنهج السلمي الفلسطيني. لقد أدركت هذه الأسرة الفلسطينية التي تصرفت بشجاعة مسؤوليتها الوطنية ودورها في بناء السلام، مدركة أن السلام ليست مهمة حكومية فقط تضطلع بها السلطة بأجهزتها لكنها قبل ذلك قناعة راسخة لدى كل فلسطيني على الرغم من كل الجحود الذي تلقاه الجهود الفلسطينية ليس فقط من قبل إسرائيل لكن أيضاً من قبل الجهات التي تقول إنها ترعى مسيرة السلام لكنها ترعى في الأساس الطروحات الإسرائيلية وهي بذلك توجه ضربة إثر الأخرى إلى جهد حقيقي باتجاه التسوية. ولقد فشلت كل العوائق، التي يضعها الآخرون في طريق السلام، في زحزحة القناعة الفلسطينية في تحقيقه، وهذه القناعة ليست وليدة الظروف الآنية بل هي تجسيد للمبادئ الدينية التي تحض على السلام وعلى المبادرة به. وسيكون من المفيد أن يسعى الذين يؤمنون بالسلام إلى محاولة تفهم الدوافع الفلسطينية ووضعها في سياقها الصحيح، بدلاً من الانسياق، على الدوام، وراء النهج العدواني الإسرائيلي على الرغم من قناعتهم بعدم جدواه في الوصول إلى التسوية.
|