حظيتُ بفرصة أن أشاهد لقاء تم مع الكاتب المعروف الدكتور ابراهيم البليهي في برنامج اضاءات للأستاذ تركي الدخيل على قناة العربية، وكان مما ورد في سياق اللقاء ما تحدث عنه الكاتب الضيف حول نقطة (أن التخلف مرحلة لم يصلها العرب والمسلمون، وأن هذه المرحلة تعتبر متقدمة نسبة إلى الوضع الذي نحن فيه الآن). والحقيقة أن مثل هذا التحليل محيّر وبدرجة كبيرة خاصة إذا أخذ من كاتب بحجم الدكتور الضيف؛ لأن النزعة التي دفعت هذا القول قد تكون سلبية بحتة وتشاؤمية لم تتح للكاتب أن يتعرض في طور عرض هذه المقولة الى التفصل في القول في مسألة هل لدى الأمة أو المجتمع العربي أزمة في طريقة التعلم وتطور التعلم من الأمم والحضارات سواء القديمة أو الغربية القريبة منا الآن كشرط للتفوق والوصول إلى مرحلة من الرضا تبعدنا عن الوضع الذي نحن فيه وتقربنا من التخلف كمرحلة منشودة ومتقدمة، أو أننا لا نجيد التعلم أساساً مما جعلنا تابعين مقلدين بل وصلنا في مرحلة أن نكون عالة على الأمم الأخرى كما بدا؟؟.. لكن الوضع الأسوأ هو أننا في مرحلة متقدمة قد لا نجيد معها التخلف، ولكن يبدو أن القول بأن الأمة تجيد التلقي ولا تجيد التعلم أكثر باحة وملاءمة للوضع الذي نحن فيه.. ولماذا حصر الوضع الذي عليه الأمة في مسألة تجاوز وضع (العدم) إلى التخلف كمرحلة متقدمة في مسألة الأخذ من العلوم المتقدمة تكنولوجياً وحضارياً؟ أقصد هل الأمة خالية من الفكر النيّر الذي يفتح آفاقاً متقدمة في النواحي المختلفة من الحياة وتعجز عن إيجاد طرق إلى معرفة العلوم الحديثة؟. النقطة الأخرى هي القول بأن (الإباحية الأخلاقية في سياق العلاقة بين الرجل والمرأة وتدهورها في الغرب ليست إلا جزئية بسيطة من مجمل العملية الأخلاقية في الحياة الغربية)، حيث يقول الكاتب إن هناك الالتزام والانضباط والصراحة وصفات أخرى حري بنا أن نتبعها. ولكن الواقع يقول إن الغرب تقدم في مجالات الصناعة والتكنولوجيا في ظل ثورة صناعية عارمة اجتاحت أوروبا خلال عصر النهضة في وقت ضعفت أو أضعفت الكنيسة مما أتاح الفرصة للتقدم والتطور المهول الذي نراه الآن.. ولكن هذا قد يقود إلى مدى نجاح الحياة الاجتماعية في الأسر في الغرب. والواقع يقول إن هناك خللا لا يستهان به في العلاقة بين الرجل والمرأة على حساب التقدم بين الرجل والآلة، أما بالنسبة لنا فالمسجد أو الدين كموجه لم يغفل ولم يقلل من قوته لأنه من القوة بحيث لا يمكن نزعه أو التقليل منه؛ لأن الإسلام كدين يدعو إلى العلم والتعلم ويفرق ويفاضل بين العالم والجاهل {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} الآية.. وهذا يعني أن الأزمة لدينا لها وضع يختلف عنه في الغرب، وهي أزمة تأمين فكري في مسألة ما ينتج عن تعلم علوم أخر من آخر، فنحن ننظر أن العلوم من الغرب أو الكفار ستكون نقمة لمجرد أنها من دول غربية فضلاً أن البعض اعتقدوا أن في التلقي والتقليد والتبعية من الغرب أو من الآخر قمة التقدم وأغفل جانب توطين ما يصلح من علوم في وقت سابق مما أفقدهم القدرة على التمييز بين الضار والمفيد مع تقدم الوقت فضلاً عن الاحساس بالوهن في مسألة ماذا سيقدم العرب والمسلمون في مجال التقدم التكنولوجي في ظل ما هو محدث الآن من تطور. المعضلة في الوضع الراهن أن العرب والمسلمين قد لا يجيدون التخلف مما يجعلهم رهن (العدم) أو (الانعدام) في ظل تسريح وتهجير العقول العربية المفكرة والرضا بواقع التقليد والمحاكاة والتبعية.
|