* جازان - الحدود اليمنية - إبراهيم بكري: جولتنا اليوم حول قطاع الحرس الحدودي بالعارضة، هذا القطاع الحيوي وعيون الوطن الساهرة فوق قمم الجبال - قطاع الشهداء - ولعل أجمل وأروع بداية لجولتنا تلك الكلمات المضيئة لصحاب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية وهو يتحدث خلال استقباله للمهنئين بالعيد عن رجال الأمن الشهداء (شهداء الوطن لن ننساهم) تلك العبارات التي تحدَّث بها سمو وزير الداخلية عن الشهداء تؤكد عمق الروابط بين ولاة الأمر والمواطن في هذا الوطن المعطاء. حقاً لن ننسى الشهداء ونجدها فرصة ونحن نتجوَّل في قطاع حرس الحدود بالعارضة أن تكون بدايتنا بذكر أسماء الشهداء: وكيل رقيب إبراهيم شمهان العبسي، جندي أول يحيى مريع شراحيلي، جندي أول حنين ناصر سلطان، جندي أول محمد طاهر محنشي، جندي يحيى أحمد مدخلي، جندي محمد عطيفة دبش، جندي يحيى حسن سفياني، جندي محمد يحيى صميلي، جندي محمد علي غزواني، جندي جبران سلمان الجابري، جندي سالم بداح الدوسري، جندي عيسى مقبول حكمي، جندي محمد جابر المالكي، جندي طالع مداوي التليدي. هذه أسماء الشهداء التي خلَّدها الوطن، كل نقطة دم ستبقى ذكرى شموخ نعتز ونتفاخر بهم.. هؤلاء الرجال البواسل وسام الشرف والنجوم المضيئة في حرس الحدود بقطاع العارضة. ولعل قصة الشهداء التي ما زالت تتداول فصولها وكيف وقف رجالنا بين الرصاص، لا خوف يتسلل بداخلهم وهم يحمون أمن الوطن في قرية عوجبة السعودية، خيانة المهربين من خلف الصخور حيث انهالوا بوابل من الرصاص صوب الجنود الذين يتعقبونهم، ليسقط الشهداء ودماؤهم الطاهرة تروي الأرض حباً وولاء للوطن. وتتواصل جولتنا في هذا القطاع المعقَّد جغرافياً، قسوة التضاريس في الجبال انهارت على سواعد رجال حرس الحدود، بجهود ذاتية شُقت الطرق وعُبِّدت، بالإرادة يحقق الرجال ما يريدون، عزيمتهم قوية ليلاً ونهاراً وهم يدكون الجبال دكاً، ونحن نسير في تلك الجبال الخطيرة بمرافقة قائد حرس الحدود بقطاع العارضة المقدم عوض القحطاني ومساعده المقدم محمد إبراهيم الجعفري كنت أتأمل للأسفل، الخوف كان يتسلل بداخلي خوفاً من السقوط، وعلمت أن رجال حرس الحدود يمشِّطون هذه الطرق الوعرة على مدار 24 ساعة فوق ارتفاع 1200 قدم. ومن القصص التي تؤكد قوة رجل حرس الحدود فوق قمم الجبال أن وكيل الرقيب محمد سليمان توفيق وهو يراقب الحدود فوق قمم الجبال تعرَّض لصاعقة رعدية سقطت بجواره ليدخل في غيبوبة وكانت أول كلمة نطق بها بعد أن فاق من غيبوبته أريد العودة لنقطة الحراسة. حان وقت الليل والظلام الدامس يحيط بنا ونحن في طريقنا للمشاركة في كمين ليلي بين الصخور والأشجار لتعقب المهربين والمتسللين، بصراحة تُعتبر الحراسة الليلية الاختبار الأصعب في تجسيد القوة والعزيمة، جلس الجنود بين الصخور والأشجار والصمت لغتهم، يتأملون هنا وهناك طيلة الليل وهم يحرسون الحدود بشجاعة لا يمكن وصفها، وأشرف على الكمين الملازم أول فهد السبيعي والملازم سرحان السبيعي وشارك العريف حسن حريصي وجندي أول محمد العزي وجندي أول صيحان القيسي وجندي أول سالم الحريصي والجندي خالد أبو شرحة والجندي موسى البلوي. هنا تنتهي جولتنا بقطاع حرس الحدود بالعارضة. وترسيخاً لعرى الأخوة والمودة وصلة القربى التي تربط الشعبين الشقيقين في الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية، واستناداً إلى ما يجمعهما من أسس ومبادئ العقيدة الإسلامية وقوامها التعاون على البر والتقوى. وانطلاقاً مما تنسجه روابط تاريخهما المشترك، وأساسها التعاون والتعاضد وإشاعة الأمن والسلام والسكينة بينهما نجني اليوم ثمار اتفاقية الحدود بين البلدين من خلال تعاون الجهات اليمنية مع الجهات السعودية والمنظمات الدولية لحل كل المشاكل التي تقع على الشريط الحدودي ومنها القضية الشائكة، قضية تهريب الأطفال حيث تشهد الحدود اليمنية - السعودية تعاظم ظاهرة تهريب الأطفال لاستخدامهم في عمليات التسوُّل في المملكة في أغلب الأحيان بموافقة أهاليهم من أجل تحسين مستوى معيشتهم. منظمة اليونيسيف أنجزت بالاشتراك مع وزارة الشؤون الاجتماعية اليمنية دراسة تُعتبر الأولى من نوعها حول قضية شائكة تعرفها المنطقة منذ مدة. تُعتبر الدراسة التي أعدَّها صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف)، بالاشتراك مع وزارة الشؤون الاجتماعية اليمنية أول دراسة يتم القيام بها لبحث ظاهرة ليست بالجديدة في منطقة الحدود اليمنية السعودية. فقد أظهرت الدراسة التي قام على إعدادها المركز اليمني للدراسات والعمل بين 22 أبريل و 5 مايو 2004 أن ظاهرة تهريب الأطفال من اليمن للسعودية وبالأخص من مقاطعات حجة والمحويت ليست جديدة، بل إنها عرفت ازدياداً ملفتاً في أعقاب حرب الخليج الأولى حيث فضَّل العديد من اليمنيين الذين يعيشون في السعودية العودة إلى بلادهم الأصل اليمن وبعد نهاية أزمة الخليج كانت العودة للسعودية تحتاج لضوابط وإجراءات. وتبدو أسباب ظاهرة تهريب الأطفال في منطقة الحدود اليمنية السعودية - حسبما توصلت إليه الدراسة - اقتصادية بالدرجة الأولى.. إذ تبيَّن أن من بين 59 حالة شملتها الدراسة ينحدر 66.5% منهم من عائلات لا يتجاوز دخلها السنوي عشرين ألف ريال يمني أي 108 دولارات أمريكية. كما أظهرت الدراسة أن عملية تهريب هؤلاء الأطفال غالباً ما تتم بعلم وموافقة الأهل، حيث اعترف 82.4 % من سكان مناطق حجة والمحويت أن لهم أطفالاً يشتغلون في السعودية. كما توصلت الدراسة إلى أن 84.3% من السكان يعترفون بوجود تهريب للأطفال في المنطقة، وقد تبيَّن أن أكثر من 62% من الأطفال الخاضعين لعملية التهريب والذين شملتهم الدراسة منحدرون من عائلات بها ثمانية أفراد على الأقل وتحاول البحث عن مصادر رزق جديدة. وفيما أفاد غالبية الأطفال بمشاركتهم طواعية في عملية التهريب، فإن حالات أخرى وردت تشير إلى إجبار الأهالي لأطفالهم للخضوع للعملية، بل إن هناك عائلات تأتي إلى الحدود بحثاً عن المهربين من أجل تسليمهم أبناءها على أن يحصل المهربون على نسبة من الأموال التي سيكسبها الأطفال. كما تشير الدراسة إلى أن المهربين يفضِّلون أطفالاً لديهم قابلية للتسوُّل، كما يتم استخدام قسم منهم من أجل تهريب البضائع عبر الحدود وهناك من يستخدم البعض منهم لجلب أطفال آخرين إلى شبكات التهريب. وقد أظهرت الدراسة أن أغلبية الأطفال والأهل لا علم لهم بجدية الأخطار المحدقة، بحيث يتعرَّضون للجوع والضرب والنهب والاعتداءات المختلفة على يد المهربين إلا أن الدراسة لم تتعمَّق في معالجة هذا الجانب. وإذا كان حوالي 74% من الأطفال يجدون مكان شغل بمجرد وصولهم إلى السعودية فإن 35% فقط منهم يعثرون على سقف يحتمون به، بينما تعيش البقية أي حوالي 65% في الشوارع. ويتعرَّض العديد من هؤلاء الأطفال إلى النهب عند عودتهم إلى بلادهم والابتزاز من قِبل المهربين المرابطين بالشريط الحدودي. ويبدو أن الربع الأول من عام 2004 قد شهد ترحيل أكثر من 150 ألف يمني من أراضي المملكة العربية السعودية من بينهم أكثر من عشرة آلاف طفل. ومن غير الواضح في هذا الصدد نسبة الأطفال الخاضعين للتهريب أو الذين يُعتبرون مجرد مهاجرين غير شرعيين. ومن أهم التوصيات التي وردت في الدراسة التي كشفت أبعاد هذه الظاهرة لأول مرة، ضرورة إبرام اليمن لاتفاقيات ثنائية لحماية الطفل مع الدول المجاورة، وضرورة الترويج داخل البلاد لمبادئ وحقوق الطفل، نظراً لأن غالبية الذين وُجه لهم السؤال ليسوا على دراية أو معرفة بتلك الحقوق. كما دعت الدراسة إلى ضرورة إنشاء هيئة تنسيق بين مختلف الوزارات المعنية بشؤون الطفل في اليمن، وإلى تأسيس مراكز إعادة تأهيل ودمج الأطفال الذين يسقطون ضحية عمليات التهريب وتتم إعادتهم إلى اليمن. كما أوصت بضرورة تعزيز عمليات المراقبة على الحدود. وفي هذا الإطار (أي إطار التكوين والمراقبة)، أعلنت منظمة الهجرة الدولية في جنيف عن إنجاز دورة تدريبية بمساهمة اليونيسيف، شارك فيها حوالي 40 من الرسميين اليمنيين المعنيين بمراقبة الحدود. وقد تطرَّقت الدورة إلى قضايا قانونية تهتم بعمليات تهريب الأشخاص والبضائع، وكيفية القيام بالتحريات في هذا المجال والتّعرف على شبكات التهريب، وإلى أساليب التّعرف على الضحايا ومساعدتهم على الاندماج من جديد في المجتمع. ويأتي تدريب هؤلاء الرسميين بعد أن قامت منظمة الهجرة الدولية بالاشتراك مع منظمة اليونيسيف بتدريب حوالي 25 من الرسميين اليمنيين المختصين في محاربة تهريب الأطفال في نقطة العبور الحدودية الكبرى مع السعودية في (حرض). تجدر الإشارة إلى أن هذه الدورة تأتي في سياق حملة تقوم بها المنظمتان الدوليتان لدعم نشاط حكومة صنعاء ومنظمات المجتمع المدني في اليمن في مجال محاربة تهريب الأشخاص خصوصاً الأطفال إلى الأراضي السعودية. هنا تنتهي جولتنا التي كان من المقرر أن تستمر لبقية القطاعات بحرس الحدود.
|