Sunday 13th November,200512099العددالأحد 11 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الأعياد بين الأحزان والأفراحالأعياد بين الأحزان والأفراح
أ.د. عبدالرزاق بن حمود الزهراني *

يطل علينا العيد والكثير منا يستحضر ويتذكر مطلع قصيدة المتنبي وهو في صحراء سيناء، هارباً من كافور، حيث حل عليه العيد وهو في حال من الحزن
والكآبة والألم، حيث يقول:


عيد بأية حالٍ عدت يا عيد
بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟!!
أما الأحبة فالبيداء دونهم
فليت دونك بيداً دونها بيدُ..!!

والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يمرون بظروف تشبه ظروف المتنبي في سيناء إن لم تكن أكثر منها قسوة وألماً. فجراحهم تتجدد، ومصائبهم تتعاظم، وأحزانهم تتضاعف، والحياة كما يقولون ترتفع بالإنسان والأمة حيناً، وتهوي بهم حيناً آخر، وهي تحوي كثيراً من العناصر المتشابكة، بعضها إيجابي، وبعضها سلبي، وتلك العناصر موجودة مع الإنسان أينما وجد، ترافقه وتصاحبه في الزمان والمكان. ومن العناصر الإيجابية في الحياة الحب، والعمل، والفرح، والشوق، والإيمان، والرضا..، وكل عنصر من هذه العناصر الإيجابية يقابله عنصر سلبي، فالحب يقابله البغض، والعمل يقابله الكسل والخمول، والفرح يقابله الحزن، والشوق يقابله البرود، والإيمان يقابله الكفر، والرضا يقابله السخط... والفرح موجود في جميع الثقافات، ولكن بدرجات متفاوتة، وتختلف تلك الدرجة في المجتمع نفسه تبعاً للظروف التي يمر بها، فإذا كان المجتمع يمر بأزمة أو كارثة أو فتنة فإن درجة الفرح تقل، وربما تختفي ويحل محلها الحزن والأسى والكآبة، وخاصة عند البالغين المدركين لجوانب الأمور وخفاياها وما يمكن أن تؤول إليه.
والإسلام دين يشجع على ثقافة الفرح، ويضع لها حدودها ومناسباتها، فالرسول صلى الله عليه وسلم، نظر إلى الأحباش وهم يقرعون الدفوف في مسجده، وكانت عائشة تنظر إليهم من فوق كتفه صلى الله عليه وسلم، وسن الإسلام عيدين هما عيد الفطر وعيد الأضحى، لإظهار الفرح والسرور بإتمام ركنين من أركان الإسلام هما صيام رمضان، وحج البيت الحرام، وشرع لمن لم يحج أن يضحي عنه وعن أهل بيته، وأن يشارك الحجاج شيئاً من فرحتهم، وليحيي سنة أبينا إبراهيم عليه السلام، عندما أوحى الله إليه بأن يذبح كبشاً فداءً لابنه إسماعيل. وشرع للناس في الأعياد لبس الجديد، والتطيب، وإظهار الفرح والسرور. ومن ثقافة الفرح أن الإسلام شرع الوليمة لمن يتزوج، والعقيقة عند قدوم المولود لأن الزواج والإنجاب مناسبتان مرتبطتان بالفرح والسرور، فإذا لم يظهر الإنسان الفرح عندما يتزوج وعندما يرزق بمولود فمتى يفرح إذن؟!! وكان الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم يمازح أصحابه ويضاحكهم، وكان لا يقول إلا حقاً، وكان يحرص على إدخال السرور والفرح على نفوس الآخرين، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) والتبسم إظهار للفرحة بلقاء الأخ بأخيه، وتعبير بدون كلمات عن السرور بلقائه، ويقول صلى الله عليه وسلم : (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق)، والوجه الطليق، يعكس البشر والفرح والسرور، ويشعر الآخر بالرضا والفرح بلقائه.
وللفرح الحقيقي آثار إيجابية على الفرد والمجتمع، فهو يقوي جهاز المناعة لدى الإنسان، ويدعم الصحة النفسية، ويقرب بين أفراد المجتمع ويقوي العلاقات والصلات بينهم.
ويبدو لي أن ثقافة الفرح في مجتمعاتنا في الفترة الحاضرة ضعيفة، وذلك لأسباب منها أن بعضنا لا يشجعها، وربما يدعو إلى ما يعوقها، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا خُير بين شيئين اختار أيسرهما ما لم يؤد إلى حرام، فإن بيننا من إذا خيروا بين شيئين اختاروا الأصعب وذلك بحجة الأخذ بالأحوط، وبعضنا ينكر بعض مظاهر الفرح. تخيلوا معي أن مجموعة من الناس دخلت إلى أحد المساجد وأرادت أن تقرع الطبول كما فعل الأحباش في عهد الرسول، ماذا سيحل بهم؟ وكيف سيكون استقبالهم؟. لا شك أنهم سيطردون شر طردة، وربما يتعرضون لعقاب شديد. ومن أسباب ضعف ثقافة الفرح في مجتمعاتنا في الزمن الحاضر كثرة النكبات والجراح والفتن في المجتمعات المسلمة، فكيف يفرح الإنسان وهو يرى إخوانه وأخواته يقتلون بالعشرات كل يوم؟!، ففي كل صقع من أصقاع المسلمين - إلا من رحم الله - فتنة أو كارثة أو حرب، وكيف يفرح وهو يرى الكوارث تحل به أو بإخوانه وأخواته هنا وهناك؟!!.. إن أمتنا تتعرض لهجمة إعلامية شرسة، إضافة إلى ما تتعرض له من حروب وغزوات، وثقافة الفرح إذا نبعت من الداخل تؤدي إلى تحصين الشباب، وإيجاد البديل المناسب لهم، ولهذا أحيي العاملين في طاش ما طاش على جهودهم في هذا الجانب، رغم اختلافي معهم في بعض المواقف المحدودة، وأحيي القنوات الإسلامية التي تشجع ثقافة الفرح مثل قناة المجد. إننا إذا لم نقدم لشبابنا ما يفيدهم ويملأ أوقات فراغهم، ويدخل السرور والفرح إلى نفوسهم انصرفوا إلى ما ينتجه الآخر من مواد تشجع على الفحش، وعلى التمرد، وعلى العنف، وعلى الرذيلة.
وفي الختام أسأل الله أن يجعل عيدكم مباركاً، وأن يديم على وطننا أمنه واستقراره ورخاءه. ونسأله تعالى أن يعز الإسلام والمسلمين في كل مكان، وكل عام وأنتم بخير.
* رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية
فاكس 012283689

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved