(الانهزامية) التي يأباها العقل العربي (التقليدي) هي في السياسة أحياناً عين (العقل)، بينما أن (العنترية) التي يعشقها الناطق بالعربية إلى حد الهوس هي في أحايين كثيرة عين (الحُمق). وهذا ما جسده بحكمة المتنبي الشاعر عندما قال:
الرأيُ قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني |
وقديماً كان يقول العرب: الذي لا يعرف (الفرَّ) لا يعرف (الكرّ). والسياسة هي في التحليل الأخير (معركة) بين كرٍّ وفرٍّ، لكنها دونما سيف أو رمح، ولأنها كذلك، فإن التراجع عن (الإقدام) عندما تتطلب الظروف الموضوعية ذلك، يجب أن يكون على قدر أهمية (الإقدام) نفسه. وهذه بمنتهى البساطة تسمى في العرف السياسي (الواقعية) التي هي عند جميع الأمم من القيم (الحميدة)، بينما هي في معايير العقل العربي (المعاصر)، وبالذات المقولب تحديداً، (نقيصة) يبرأ إلى الله منها كل (عناترة) وأساطين وساسة بني يعرب، خاصتهم قبل عامتهم، حتى وإن كانوا على مستوى الممارسة (إنهزاميين) بالفعل. وكاتب هذه السطور كثيراً ما يُعيَّرُ بأنه من كُتَّاب (الفكر الانهزامي) الذي (يستسلم) للواقع ويطالب بالانصياع لمقتضيات الظروف. وهي تهمة لا أنفيها، بل وشرف لا أدعيه، وطموحٌ أرجو من الله أن أبلغه، وأن يثبّت قلبي عليه إن كان حقيقة. لأن التعامل مع الراهن إذا كنت غير قادر على تغييره هو بكل وضوح ومباشرة ضربٌ من ضروب الواقعية. والعقل العربي المقولب تربَّى على أن من مقتضيات الفضيلة رفض الهزيمة حتى ولو كانت النتيجة الموت، لأن (الحياة) أصلاً لا قيمة لها عنده، أو يجب أن تكون لا قيمة لها في معاييره، خاصة إذا كان الأمر متعلقاً (بالإباء) الذي هو بلغة أقل تهذيباً: (العناد والمكابرة). ولأن العربي (يأبى) الهزيمة، ويكره (الإنهزاميين) كما يقول، أصبح (الانتحار) ضرباً من ضروب الشجاعة، والإقدام لا يجرؤ عليه إلا الشجعان الحقيقيون، دون التفرقة بين (التهور) الذي هو في الغالب مرض نفسي وبين (الشجاعة الحقيقية)، لذلك وصلت أسطورة (الإقدام الغبي) عند بعض صبية الصحويين إلى درجة أصبح فيها الانتحار شجاعة، والمنتحر مجاهداً شجاعاً مقداماً! ولعل فتوى (الانغماس) للإمام ابن تيمية (الفتاوى الكبرى، الجزء 4، صفحة 351)، الذي استدل بها التكفيريون - تعسفاً - على جواز (الانتحار) عند مواجهة العدو إذا تطلب الأمر ذلك، أسوة بغلام أصحاب الأخدود، هي - أيضاً - عند التحليل والقراءة المحايدة والموضوعية تصلح لأن تكون مثالاً جيداً للحث على (الإقدام) المتهور، وعدم التعامل مع الظروف بواقعية. كما أن المقولة الشهيرة التي يتداولها الإنسان الناطق بالعربية والتي تقول: (اطلب الموت تكتب لك الحياة) تصب في هذا الاتجاه، وهذه - بالمناسبة - عبارة تضليلية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فليس بطلب الموت تكتب لنا الحياة، لا مجازاً ولا حقيقة، وإنما (الحياة) الحقيقية والكريمة تكتب بالعلم والابتكار والاختراع والاقتصاد والاستقرار الأمني والسياسي والعدالة الاجتماعية وإعمال العقل وليس إعمال (ثقافة الانتحار) والتلاشي والاندثار. وما تقدم لا يعني إطلاقاً أنني أدعو إلى استمراء (الهزيمة) أو تبرير (الانهزامية)، بقدر ما أدعو إلى التعامل مع الظروف الموضوعية بواقعية قبل أن نتهم أنفسنا أو غيرنا (بالانهزامية). فعندما تكون (الهزيمة) هي (ضرورة) لتبقى على قيد الحياة، فلا يعني ذلك مطلقاً أن (الاستسلام) هو الحل للتعامل مع هذا الوضع المشين. يجب أن نسأل أنفسنا قبل أن نقدم كي لا يكون الإقدام انتحاراً: لماذا نحن قومٌ منهزمون أولاً.. مشكلتنا أننا نقفز على الأسباب، ونتحاشى البحث في بواعث الهزيمة، برفضها، ليتحول هذا (الرفض) في نهاية المطاف إلى ضرب من ضروب الانتحار كما ترون. وهذا مربط الفرس وبيت القصيد من القضية برمتها. وكثيراً ما يعمد (الغوغائيون) إلى اتهام غيرهم بالانهزامية. والإنسان الغوغائي كما علمنا التاريخ لا يمكن أن يبني حضارة ولا أن يشيد تنمية، لا بالنسبة للبشر ولا فيما يخص الحجر، ولكن بإمكانه أن يشعل (ثورة) أو يصنع (انقلاباً)، وبالذات عندما يوظف الخطاب الغوغائي في العزف على وتر الهزيمة لخدمة طموحاته. والأمثلة في تاريخ بني يعرب في الماضي والحاضر لمثل هذه الظواهر الغوغائية أكثر من أن تحصى، ويأتي على هرم هؤلاء الغوغائيين من المعاصرين الرئيس المصري عبدالناصر، الذي كان بينه وبين (الواقعية) مثل ما بين النار والبارود. أما بالنسبة للمتأسلمين فليس ثمة أفضل من ابن لادن وطغمته كمثال نموذجي للخطاب الغوغائي المعاصر. وكان الغوغائيون في السابق يشعلون جذوة الحماس باستثارة العواطف في خطابهم، دون أن يكون ثمة إلا معلبات قولية وشعارات فارغة. أما الغوغائيون (الجدد) فقد عمدوا إلى صبغ خطاباتهم (شكلياً) بمنطق العلم والبحث والرصانة. يقول أحدهم مثلاً: كان ابن خلدون - رحمه الله - أول من لفت إلى أن ثقافة الهزيمة لها لغة ومفردات ومصطلحات، تتجلَّى في ممارسات النخبة التي تكون عادة شديدة التماس مع كل ما هو فكري أو ثقافي أو سياسي. واعتبر التطبيع الثقافي (كذا!) من أبرز تجليات العلاقة بين الغالب والمغلوب، سيما في مفردات الحياة اليومية: المأكل والمشرب والملبس، وطريقة الكلام والتفكير، والعقائد والفلسفات، وهي علاقة ليست حوارية مؤسسة على المثاقفة، وإنما علاقة تبعية وتقليد وإذعان، وهي المحطة الأخيرة في سلسلة الانكساريات المتتالية أمام الغالب، التي تبدأ بالهزيمة العسكرية، لتنتهي بالتسليم بالهزيمة الثقافية. ويرجع ذلك ابن خلدون، إلى أن المغلوب عادة ما يعتقد الكمال في الغالب المنتصر..)! انتهى. وأترك للقارئ الحكم على هذا المقولة دون أي تعليق مني.
|