Sunday 13th November,200512099العددالأحد 11 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "دوليات"

عام على رحيل ياسر عرفات عام على رحيل ياسر عرفات
عادل أبو هاشم(*)

عام مضى على رحيل الفارس الذي نذر حياته للكفاح والنضال من أجل أشرف قضية يمكن أن يدافع عنها إنسان بروحه وفكره ووقته.. هذا المقاتل الصلب الذي ما فارقت البزة العسكرية جسده.. وتحمّل شظف العيش وعشرات محاولات الاغتيال الصهيونية، والتهديد اليومي بالقتل والتصفية.. وارتضى صابراً ومصابراً ومرابطاً في سبيل الله والحق حصار ثلاث سنوات بين أربعة جدران مؤمناً بقضيته التي نذر حياته لها.
وطنياً من طراز نادر، ومقاتلاً من طراز نادر، وسياسياً من طراز نادر.. ومتوازنًا من طراز نادر.. ترجل ياسر عرفات (أبو عمار) يوم الخميس 28 رمضان 1425هـ الموافق 11-11-2004م عندما قام الإرهاب الإسرائيلي بتسميم دمه بشكل عجز الأطباء عن اكتشافه بعد حصار دام أكثر من ثلاث سنوات في ظروف لا إنسانية لا يمكن لأي شخص أن يتحملها.
وقد أكدت جميع المصادر الفلسطينية بأن الرئيس ياسر عرفات قد تعرض لسم (إشعاعي) تسلل إلى جسده عبر تقنية إسرائيلية معروفة ومجربة قبل ذلك.. فتقنية التسميم الإشعاعي التي احترفها جهاز المخابرات الصهيوني (الموساد)، وصلت إلى جسم الرئيس الفلسطيني عن بعد، ربما عن مسافة مترين أو ثلاثة أمتار، وربما كان أحد زواره من الصحفيين الغربيين أو عميلاً للموساد الصهيوني قام بهذه المهمة.
كتبت الكثير من المقالات والدراسات التي تتسع لمجلدات ضخمة، عن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وقيل فيه الكثير، ولكن تبقى حقيقته البسيطة واضحة لأبناء شعبه وللعالم أجمع: فلقد ظل عرفات وفياً للثوابت التي أمن بها، كقضايا القدس واللاجئين والدولة، وكان مرناً إلى أقصى درجات المرونة في كل شيء إلا في تلك الثوابت.
أربعون عاماً في رئاسة اللجنة المركزية لحركة فتح، وستة وثلاثون عاماً على رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعشر سنوات على قمة هرم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.. خلال هذه المسيرة الطويلة، والتي تشكل بلا أدنى شك مرحلة مهمة من التاريخ الفلسطيني المعاصر، انفردت شخصية ياسر عرفات بنمط خاص في واحدة من أعقد الثورات المعاصرة، نمط قد لا يتكرر كثيراً بطابعه وخصائصه ومفارقاته.. وإشكالياته.
الميلاد والنشأة
محمد عبد الرحمن عبد الرؤوف القدوة الحسيني، هو الاسم الحقيقي لياسر عرفات، الذي اتخذ اسم (ياسر) وكنية (أبو عمار)، أثناء دراسته في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، إحياءً لذكرى مناضل فلسطيني قتل وهو يكافح الانتداب البريطاني.
مكان ولادة عرفات ما زال محل خلاف، فهو يقول إنه من مواليد القدس في أغسطس (آب) 1929م، أما جميع من تتبعوا سيرة حياته، فيعتقدون أنه من مواليد مدينة القاهرة يوم 24 أغسطس (آب) 1929م.
وهو الابن السادس لأب كان يعمل في التجارة، وهاجر إلى القاهرة عام 1927م وعاش في حي السكاكيني، وعندما توفيت والدته وهو في الرابعة من عمره أرسله والده إلى القدس، وهناك بدأ وعيه يتفتح على أحداث ثورة 1936م.
في عام 1937م عاد مرة أخرى إلى القاهرة ليعيش مع عائلته، ثم التحق بكلية الهندسة في جامعة الملك فؤاد (القاهرة حالياً)، حيث تخصص في دراسة الهندسة المدنية وتخرج فيها عام 1951م، وعمل بعدها في إحدى الشركات المصرية، وخلال فترة دراسته كون رابطة الخريجين الفلسطينيين التي كانت محط اهتمام كبير من قبل وسائل الإعلام المصرية آنذاك، واشترك إلى جانب الجيش المصري في صد العدوان الثلاثي عام 1956م.
وباستثناء الخلاف حول مكان ولادته، لا يختلف أحد من المؤرخين على التاريخ النضالي المشرف لهذا الفلسطيني الذي حمل الهم الفلسطيني في قلبه وعلى كاهله، طوال أكثر من أربعة عقود.
بدأ عرفات حياته السياسية في مطلع حقبة الخمسينيات من القرن الماضي حينما شارك في عام 1952م عندما كان طالباً في كلية الهندسة بجامعة القاهرة في تأسيس اتحاد طلبة فلسطين في مصر، وقد تولى رئاسة رابطة الخريجين الفلسطينيين بعد نجاح ثورة يوليو (تموز) بقيادة جمال عبد الناصر في الاستيلاء على السلطة.
ظهرت مواهبه منذ سنوات شبابه المبكر كناشط وزعيم سياسي، وقد انجذب في البداية لجماعة الإخوان المسلمين، لكنه سرعان ما اعتنق فكر الكفاح المسلح ضد إسرائيل عقب (نكبة) عام 1948م وقيام دولة إسرائيل فوق ما يزيد عن70 بالمائة من مساحة فلسطين التي كانت خاضعة للحكم البريطاني.
بعد انتصار انقلاب الضباط الأحرار في مصر في 23 يوليو (تموز) 1952م، بعث عرفات، عام 1953م، خطاباً إلى اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمصر، حمل ثلاث كلمات فقط هي: (لا تنس فلسطين)، وقيل إن عرفات سطر الكلمات الثلاث بدمائه.
الثائر ياسر عرفات..
تأسيس (فتح)
التحق بالخدمة العسكرية في الجيش المصري وشارك في التصدي للعدوان الثلاثي الإسرائيلي الفرنسي البريطاني على مصر في حرب السويس. وفي عام 1956م مُنح عرفات رتبة ملازم في الجيش المصري. وفي 1958م شكل عرفات الذي كان وقتها يعمل مهندساً في الكويت مع مجموعة صغيرة من المغتربين الفلسطينيين الخلية الأولى لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وهي اختصار لحركة تحرير فلسطين التي تبنت الكفاح المسلح وسيلة لتحرير فلسطين، ومن أبرز الذين شاركوه تأسيس فتح: صلاح خلف (أبو إياد) وخليل الوزير (أبو جهاد)، وعبد الله الدنان، ومحمود سويد، وعادل عبد الكريم.
وكشف عرفات في ما بعد عن قيامه في ذلك الوقت بجمع بنادق من مخلفات الحرب العالمية الثانية من الصحارى المصرية لتسليح حركته.
وفي 31 كانون الأول (ديسمبر) 1964م نفذت حركة فتح أول عملية مسلحة في الأراضي الإسرائيلية عبر محاولة نسف محطة مائية وقام عرفات شخصياً بتسليم بيان تبني العملية إلى صحيفة (النهار) اللبنانية.
وفي 28 أيار (مايو) 1964م تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية تحت رعاية مصر، وترأسها أحمد الشقيري، واعتمدت المنظمة ميثاقاً وطنياً يطالب بحق تقرير المصير للفلسطينيين ويرفض قيام دولة إسرائيل.
وفي حزيران (يونيو) 1967م: انتقل عرفات إلى العمل السري، تحت اسمه الحركي (أبو عمار)، وفي تموز توجه سراً إلى الضفة الغربية المحتلة، حيث أمضى أربعة أشهر قام خلالها بتنظيم خلايا حركة فتح. وفي 4 شباط (فبراير) 1969م انتخب عرفات رئيساً للمنظمة التي أصبحت ممثلاً للشعب الفلسطيني.
اكتسب عرفات أثناء خدمته بالجيش المصري خبرة في العمليات العسكرية واستخدام المتفجرات أهلته لقيادة الجناح العسكري لحركة فتح الذي عرف باسم (العاصفة)، وبدأ عملياته عام 1965م.
معركة الكرامة
ورئاسة منظمة التحرير
وفي تلك المرحلة، بدأ نجم عرفات في البزوغ كزعيم سياسي فلسطيني ثائر، غير أن نجمه لمع أكثر في الأردن حيث كانت توجد أعداد كبيرة من الفلسطينيين الذين هجروا عام 1948م و1967م، فتوفر المناخ لعرفات كي يقوم بتدريب أفراد من قوات فتح التي عرفت باسم (العاصفة)، وهو ما شجعه في الأمد القريب على تنفيذ عمليات فدائية ضد أهداف إسرائيلية من خلال التسلل عبر الحدود الأردنية إلى الأراضي المحتلة، أو من خلال استهداف الدوريات الإسرائيلية العاملة على الشريط الحدودي.. وقامت عناصر العاصفة بشن هجمات على إسرائيل من الأردن ولبنان وقطاع غزة الذي كان يخضع للحكم المصري.
وبعد حرب عام 1967م التي ألحقت فيها إسرائيل الهزيمة بالجيوش العربية، واستولت على القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء وهضبة الجولان، قامت جماعات المقاومة الفلسطينية بتكثيف أنشطتها ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولم يبق في ساحة القتال ضد إسرائيل سوى حركة فتح.
وقد اكتسب عرفات المزيد من الشهرة كقائد عسكري ميداني في عام 1968م عندما قاد قواته في القتال دفاعاً عن بلدة (الكرامة) الأردنية - بمشاركة المدفعية الأردنية - أمام قوات إسرائيلية أكثر عدداً وأقوى تسلحاً.
وزرعت معركة الكرامة الإحساس بالتفاؤل بين الفلسطينيين، كما أدت لارتفاع راية قوى التحرر الوطني الفلسطينية بعد فشل الأنظمة العربية في التصدي لإسرائيل.
وبعد مضي عام على معركة الكرامة اختير عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أسستها جامعة الدول العربية عام 1965م خلفاً ليحيى حمودة.
أيلول الأسود
والانتقال إلى لبنان
في العام 1970م هاجم الجيش الأردني القوات الفلسطينية في الأردن بعد اختطاف رجال المقاومة أربع طائرات ركاب إلى مطار في صحراء المملكة، ووقعت اشتباكات بين الطرفين أسفرت عن سقوط ضحايا من كلا الجانبين وعرفت بأحداث (أيلول الأسود)، وبعد وساطات عربية قررت المقاومة الفلسطينية في العام التالي الخروج من الأردن والانتقال إلى لبنان، بعد أن نجحت مصر في إنقاذ عرفات من الموت المحقق في عمان وتهريبه سراً إلى القاهرة، حيث حضر القمة العربية في أيلول (سبتمبر) 1970م، فكانت أول قمة عربية تسلط فيها بقوة أضواء وفلاشات الكاميرات عليه.
ومع انتقال المنظمة إلى لبنان، واصل أبو عمار رحلة الكفاح المسلح، فشرع في ترتيب صفوف المقاومة معتمداً على مخيمات اللاجئين، وفي السنوات التي أعقبت انتقال عرفات إلى بيروت نفذ مسلحون فلسطينيون ينتمون لفصائل مختلفة عمليات تفجير وخطف طائرات واغتيالات، من أشهرها عملية خطف وقتل 11 رياضياً إسرائيلياً أثناء دورة الألعاب الأولمبية التي أقيمت في ميونخ عام 1972م.
في 10 نيسان (أبريل) 1973م حاولت إسرائيل اغتيال ياسر عرفات، في بيروت، حيث قامت مجموعة إسرائيلية ضمت بين أفرادها من أصبح لاحقًا رئيساً لوزراء إسرائيل إيهود باراك، وقد تمكنت المجموعة من اغتيال ثلاثة من مساعدي عرفات ولكنها لم تعثر عليه، وأكد مقربون منه أن (معجزة إلهية سمحت له بالبقاء بعيداً)، وفي الواقع لم يكن عرفات يمضي أكثر من بضع ساعات تحت سقف واحد وقد لف تحركاته بتكتم مطلق.
وقد شنت قوات الاحتلال الصهيوني هجمات عنيفة على قواعد المقاومة الفلسطينية في لبنان في الفترة بين عامي 1978م و1982م، حيث دمرت عام 1978م بعض قواعد المقاومة وأقامت شريطاً حدودياً بعمق يتراوح بين أربعة وستة كيلومترات أطلقت عليه اسم الحزام الأمني.
غصن الزيتون والبندقية
وفي 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1974م أعلنت القمة العربية في الرباط منظمة التحرير (الممثل الشرعي والوحيد) للشعب الفلسطيني.. وفي 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1974م، تحدث عرفات للمرة الأولى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك قائلاً: (أتيت إلى هنا حاملاً غصن الزيتون بيد وبندقية المقاتل من أجل الحرية في الأخرى.. فلا تدعوا غصن الزيتون يسقط من يدي)، ومُنحت منظمة التحرير الفلسطينية صفة مراقب في المنظمة الدولية.
وفي نيسان (أبريل) 1975م، مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وقف عرفات في صف القوى التقدمية اللبنانية.. وفي حزيران (يونيو) 1980م أصدرت السوق الأوروبية المشتركة (إعلان البندقية) الذي يطالب بمشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في أي مفاوضات لاحلال السلام.
وخاضت المقاومة الفلسطينية الكفاح من لبنان ضد الكيان الإسرائيلي، ونتيجة لنجاح المقاومة الفلسطينية في حقبة السبعينيات في تسديد ضربات موجعة للاحتلال، قررت إسرائيل شن هجوم على قواعد المقاومة والقضاء عليها وهو ما توج بغزو بيروت عام 1982م.
برنامج النقاط العشر
الانعطاف الكبير الأول في مسيرة منظمة التحرير بقيادة عرفات كان في المجلس الوطني الثاني عشر في القاهرة (يونيو 1974م)، حيث تم التخلي لأول مرة، عن التحرير الكامل من البحر إلى النهر والدعوة إلى إقامة (سلطة) وطنية على جزء من أرض فلسطين، خلافًا لما ورد في نصوص الميثاق الفلسطيني ومقرراته في الدورة الحادية عشر عام 1972م للمجلس الوطني الفلسطيني حيث طرحت مشاريع التسوية السياسية.. وقوبلت برفض قاطع وحازم لا يقبل المناورة أو حتى التأويل، بل إن المجلس الوطني الفلسطيني قد ذهب إلي أبعد من ذلك فقد جري التأكيد بنص مكتوب وملزم للجميع يحرم على كل الأجيال الفلسطينية حتى الأجيال التي لم تولد بعدم.. من الاقتراب أو المساس بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.. وكانت صياغة النص والتحذير على النحو التالي: (لا يحق لأية جهة من أي جيل من أجيال الشعب، مهما تألبت عليه الظروف أن تتنازل عن أي حق من حقوقه الثابتة والطبيعية).
وهيأ هذا الانعطاف السبيل لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني (1988م) في الجزائر والتي أعلنت قرار الاستقلال والموافقة على القرار الأممي 242.
خطاب عرفات
في الأمم المتحدة
ألقى ياسر عرفات خطاباً تاريخياً مهما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1974م، أكد فيها أن القضية الفلسطينية تدخل ضمن القضايا العادلة للشعوب التي تعاني من الاستعمار والاضطهاد، واستعرض الممارسات الصهيونية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، وناشد ممثلي الحكومات والشعوب مساندة الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والعودة إلى دياره، وفي ختام كلمته قال: (إنني جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي.. الحرب تندلع من فلسطين والسلم يبدأ من فلسطين). ويشكل هذا الخطاب بداية التحول إلى مفهوم إقامة الدولة والعمل السياسي لأجل ذلك بدلاً من سياسة التحرير والكفاح المسلح.
من لبنان إلى تونس
بعد اجتياح بيروت وفرض إسرائيل حصاراً لمدة 10 أسابيع على المقاومة الفلسطينية، اكتسب خلالها عرفات احترام شعبه بصموده وشجاعته، وافق في 30 آب (أغسطس) 1982م على الخروج من لبنان تحت الحماية الدولية ومن ثم الانتقال إلى تونس التي شكلت المعقل الأخير لمنظمة التحرير الفلسطينية حتى عام 1994م.
كانت المحطة الثالثة للمقاومة الفلسطينية بعد عمان وبيروت في تونس بعيداً عن خطوط التماس، وبالرغم من بعد المسافة بين تونس والأراضي الفلسطينية إلا أن يد جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) طالت أبرز العناصر الفاعلة في المنظمة، إذ اغتيل خليل الوزير (أبو جهاد) (1988م) وصلاح خلف (أبو إياد) (1991م) وتميزت تلك الفترة بمحاولات عرفات الدؤوبة للمحافظة على وحدة منظمة التحرير الفلسطينية واستمرار قيادته لها.
وحاولت إسرائيل اغتيال عرفات ثانية بعد انتقاله إلى تونس، وقد تعرض مقره هناك في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 1985م لقصف الطيران الإسرائيلي، ودمر بشكل شبه كامل في غارة أدت إلى مقتل 17 شخصاً، وكان عرفات في طريقه إلى مكتبه ولكنه عاد أدراجه مع بداية الغارة.
وتعرض عرفات طوال مسيرة قيادته لحركة فتح والمنظمة للكثير من حركات التمرد ضده وكان أبرزها خلال فترة تواجد المنظمة في لبنان، حيث انشق عنه عدد من قادة الحركة ومن أبرزهم أبو موسى وأبو صالح وأبو نضال، إلا أن دهاءه السياسي مكنه من تجاوز كل هذه الانشقاقات فظل متماسكاً ومسيطراً على المنظمة وعلى فتح.
وفي تونس، واصل ياسر عرفات تكوين شخصية الزعيم السياسي الذي يتبنى الحل السلمي.. وكانت إرهاصات هذا التوجه قد تجلت عملياً، في الخطاب الذي ألقاه عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1974م، والذي قال فيه: (إنني جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي.. الحرب تندلع من فلسطين والسلم يبدأ من فلسطين).
الجزائر.. إعلان الدولة
وكان لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م ضد الاحتلال الإسرائيلي وتعرض الفلسطينيين فيها للقمع والقتل، أثره في حصول القضية الفلسطينية على تعاطف دولي، استثمره عرفات بحنكته السياسية لتحريك عملية السلام حيث دفع المجلس الوطني الفلسطيني بدورته المنعقدة في الجزائر في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988م إلى تبني قرار مجلس الأمن الدولي 242 معترفاً بذلك ضمناً بإسرائيل وفي الوقت ذاته، أعلن المجلس قرار إقامة الدولة الفلسطينية على أراضي الضفة وغزة، وتلا عرفات إعلان استقلال الدولة الفلسطينية.
وفي نيسان (أبريل) 1989م كلف المجلس المركزي الفلسطيني عرفات برئاسة الدولة الفلسطينية، وفي 2 أيار (مايو) 1989م، خلال زيارة رسمية إلى باريس كانت أول تكريس لعلاقات دبلوماسية مع دولة غربية، أعلن عرفات أن الميثاق الوطني الفلسطيني أصبح (لاغياً).
في عام 1990م وبعد اجتياح القوات العراقية للكويت اتخذ عرفات موقفا فُسر بأنه مؤيد لخطوة الرئيس العراقي- آنذاك - صدام حسين، مما انعكس سلبياً على القضية الفلسطينية، وتوقف دعم دول الخليج للقضية الفلسطينية.
وفي 1991م في أوج أزمة الخليج، انقلبت سيارة عرفات عدة مرات على الطريق بين عمان وبغداد، وبعدها في كانون الثاني (يناير) 1992م، تزوج عرفات من مساعدته سهى الطويل (28 عاماً)، وبعد شهرين، في نيسان (أبريل) 1992م، تحطمت طائرته في الصحراء الليبية، وقيل حينذاك أنه قتل في الحادث ولكنه ظهر من جديد بعد ساعات من الحادث.
أوسلو.. غزة وأريحا
وبعد انتهاء حرب الخليج كان هناك إجماع دولي على ضرورة العمل من أجل تسوية القضية الفلسطينية دعماً للاستقرار في الشرق الأوسط.
ولدفع عملية السلام أعلن عرفات أوائل عام 1990م أنه يجري اتصالات سرية مع القادة الإسرائيليين بهذا الخصوص، وفي عام 1991م عقد مؤتمر السلام في مدريد تحت رعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق.
وفي 13 أيلول (سبتمبر) 1993م بعد ستة أشهر من المفاوضات السرية في أوسلو، وقّع عرفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين، في واشنطن، اتفاق أوسلو الذي جعل أضواء الإعلام الغربي تسلط عليه بكثافة، كما كان نقطة تحول بارزة في القضية الفلسطينية، وقد وقع الطرفان على (إعلان مبادئ)، هو عبارة عن اتفاق سمح للفلسطينيين بممارسة الحكم الذاتي في قطاع غزة ومدينة أريحا بالضفة الغربية مقابل اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل.
لكن لم تحسم عدة قضايا شائكة وأبرزها مستقبل المستوطنات المقامة على أراض محتلة، ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين الذين أجبروا على ترك مدنهم وقراهم بعد حرب عام 1948م، والوضع النهائي لمدينة القدس.
وفي 1 تموز (يوليو) 1994م خرجت غزة عن بكرة أبيها لاستقبال عرفات والعائدين معه من ( فتح) بحفاوة كبرى، بعد 27 عاماً قضاها في المنفى، واتخذ عرفات من غزة مقراً لقيادته.
وقد بدأ عرفات فور عودته إلى غزة، مسيرة سلام مرت بصعوبات بالغة، وفي نفس السنة فاز بجائزة نوبل للسلام بالمشاركة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين وشمعون بيريز.
وفي عام 1995م وقع عرفات ورابين بواشنطن على اتفاقية الوضع المؤقت التي مهدت الطريق لإعادة انتشار القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وقد اغتيل رابين إثر ذلك، في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1995م، بأيدي متطرف إسرائيلي، وهو ما شكل انتكاسة لعملية السلام، وواجه عرفات تحدياً ضخماً تمثل في السعي للحفاظ على التزام الفلسطينيين والإسرائيليين بما أطلق عليه (سلام الشجعان).
شرع عرفات لدى وصوله إلى غزة، في تأسيس السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية المختلفة، وعمل على إعادة تأهيل بعض المؤسسات وتدريب أفراد من الشرطة والجيش للحفاظ على الأمن، مبشراً شعبه بقرب تحقيق حلم التحرير والصلاة في المسجد الأقصى.
رئيس السلطة
الوطنية الفلسطينية
وفي 20 كانون الثاني - يناير 1996م انتخب عرفات رئيساً للسلطة الفلسطينية في انتخابات ظل يفتخر دوماً بأنها كانت حرة وشفافة في منطقة نادراً ما تشهد مثلها.
في عام 1997م وقع الفلسطينيون برئاسة عرفات اتفاقية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لتسلم معظم مدينة الخليل والذي تعطل كثيراً، بعد ذلك أصيبت عملية السلام بالجمود.
وفي عام 1998م وقع عرفات ونتانياهو على اتفاقية واي ريفر لانسحاب إسرائيلي تدريجي من الضفة الغربية، والتي جمدها نتنياهو بعد شهرين زاعماً أن عرفات لم ينفذ شروطًا أمنية.
في 5 أيلول (سبتمبر) 1999م وقع عرفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في شرم الشيخ في مصر اتفاقاً يفتح الطريق أمام مفاوضات حول تسوية سلمية نهائية بين إسرائيل والفلسطينيين، ويحدد الاتفاق شهر أيلول (سبتمبر) عام 2000م موعداً لتوقيع معاهدة سلام دائمة.
فشل كامب ديفيد.
انتفاضة الأقصى
وشهد منتجع كامب ديفيد في 25 تموز (يوليو) 2000م حيث شارك عرفات في قمة ثلاثية جمعته ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وصول عملية السلام إلى طريقها المسدود، إلا أن رفض أبو عمار تقديم تنازلات لإسرائيل في قضايا تتعلق بالوضع النهائي للأراضي الفلسطينية ومن بينها القدس، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين أعاد إليه مرة أخرى قدراً من شعبيته بين الفلسطينيين.
غير أن اصطدام السلطة بالمواقف الإسرائيلية المتعنتة أدى إلى انحسار التأييد الشعبي لمشروع السلطة الفلسطينية وقيادتها الممثلة في شخص عرفات، وساهم في ذلك الانحسار قيام السلطة الفلسطينية بملاحقة نشطاء فصائل المقاومة خاصة الإسلامية منها تنفيذًا لاستحقاقات الاتفاقيات التي وقعتها مع إسرائيل، فتوالت على عرفات الاتهامات بأنه أصبح أداة في يد الاحتلال لقمع المقاومة الفلسطينية كما تزامن مع ذلك بداية الحديث المتصاعد عن فساد السلطة وتراخي رئيسها في مواجهته.
وبحلول عام ألفين توقفت تماماً عملية السلام، واشتعلت انتفاضة الأقصى في 29 أيلول (سبتمبر)، بعد الزيارة الاستفزازية التي قام بها زعيم المعارضة في ذلك الحين آريئيل شارون للحرم القدسي في ظل تنامي الحديث عن (هيكل سليمان) المزعوم والحفريات التي تتم تحت المسجد الأقصى والخوف المتزايد من إلحاق الضرر به، وكرد فلسطيني على مسيرة أوسلو وسنواتها العجاف.
وقد تعامل إيهود باراك رئيس الحكومة الصهيونية السابق بعنف مع هذه الانتفاضة ولم يستطع إخمادها، وفي عهد آريئيل شارون - الذي اختاره الناخب الصهيوني لتحقيق الأمن بعد أن عجز باراك عن تحقيقه - استمرت بل تصاعدت أعمال الانتفاضة والمقاومة.
وساءت علاقات أبو عمار بالولايات المتحدة الأمريكية التي تبنت وجهة النظر الصهيونية باعتباره متكاسلاً عن اتخاذ ما يجب من إجراءات لوقف ما تسميه (الإرهاب) رغم كل ما فعله لقمع المقاومة وملاحقة المجاهدين لاسيما في 1996- 2000م، وتعالت الأصوات داخل الحكومة الصهيونية الداعية إلى طرد عرفات أو تصفيته جسدياً أو اعتقاله ومحاكمته، وأعادت قوات احتلال أغلب مدن وقرى الضفة الغربية، وفرض شارون حصاراً محكماً على ياسر عرفات في مقره برام الله إلى أن خرج بعد تدهور حالته الصحية متوجهاً إلى العاصمة الفرنسية باريس لتلقي العلاج في مستشفى (بارسي) العسكري.
مجرم الحرب شارون
وفي 3 كانون الأول (ديسمبر) 2001م، قامت الحكومة الإسرائيلية بقيادة شارون، خصم عرفات القديم واللدود، بفرض حصار عسكري عليه داخل مقره بمدينة رام الله بالضفة الغربية، بمساندة أمريكية، فكان أن حظي عرفات مرة أخرى بتعاطف كبير من جانب الشارع الفلسطيني في مواجهة الأصوات الإسرائيلية المتعالية والمطالبة بطرده أو تصفيته، فعاد الرمز الفلسطيني مرة أخرى للواجهة بقوة.
وفي 29 آذار (مارس) 2002م غداة عملية استشهادية نفذتها المقاومة الفلسطينية، وختام القمة العربية في بيروت التي حُرم عرفات من حضورها، شن جيش الاحتلال الإسرائيلي أوسع هجوم له في الضفة الغربية منذ حزيران (يونيو) 1967م ودمر الجزء الأكبر من مقر عرفات الذي بقي في المبنى الذي يضم مكاتبه تطوقه الدبابات الإسرائيلية.. وقد بقي على هذا الحال حتى ليلة الثاني من أيار (مايو) حين رفع جيش الاحتلال الإسرائيلي الحصار عنه.
انهيار السلطة.
تدهور حالة الرئيس
خلال فترة الحصار تلك، أعادت إسرائيل احتلال أغلب مدن وقرى الضفة الغربية، وبعد ضغوط دولية، تعهد شارون بعدم استهداف عرفات أثناء تنفيذ العمليات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية التي زعمت حكومة شارون إنها تهدف للقضاء على ما اسمته (البنية التحتية للإرهاب)، بينما وصفها الفلسطينيون بأنها (جرائم حرب) و(إرهاب دولة).
لكن التهديدات استمرت من قبل بعض المسؤولين الإسرائيليين بإبعاده وحتى بقتله.. وفي 11-9- 2003م اتخذت الحكومة الإسرائيلية قراراً أطلقت عليه صفة (مبدئي)، بإبعاد الرئيس ياسر عرفات عن أرض الوطن، ولم تنفذ إسرائيل هذا القرار فعلياً، إلا أنها لوحت به بعد كل عملية استشهادية.
وكان رد فعل عرفات للحصار الإسرائيلي إعلانه أنه (يتوق للشهادة التي سبقته إليها أعداد كبيرة من أبناء شعبه).
وخلال هذه الفترة اتفقت إسرائيل والولايات المتحدة على عزل الرئيس عرفات واعتباره (غير ذي صلة)، وسعت واشنطن إلى فرض تعيين رئيس وزراء فلسطيني على أمل أن تتعامل معه في القضايا الفلسطينية، وتجاوز عرفات، وفي عام 2003م عين عرفات أمين سر منظمة التحرير محمود عباس رئيساً للوزراء تحت ضغوط دولية للتنازل عن بعض سلطاته، لكنه رفض التخلي عن سيطرته على القوات الأمنية فاستقال عباس وتم تعيين أحمد قريع، خلفاً له.
وفي عام 2003م أيضاً، صادق الفلسطينيون على خطة خارطة الطريق المدعومة من الولايات المتحدة، إلا أن إسرائيل رفضت تطبيق الخارطة رغم زعم تبنيها لها، ورفضت إسرائيل إجراء أي مفاوضات مع عرفات أو مواصلة الاتصالات بينها وبين القيادة الفلسطينية، بل سعت إلى فرض المقاطعة الدولية على عرفات، بحيث أعلنت رفضها استقبال أي مسؤول دولي يقوم بجولة في المنطقة، ويزور عرفات.
وبعد انتخاب شارون لرئاسة الحكومة، في دورة ثانية، بدأ تكثيف العمل في إقامة جدار الفصل العنصري على أراضي الضفة الغربية، رافضاً الانصياع إلى مقررات الأمم المتحدة التي اعتبرت الجدار عملاً غير مشروع ومخالفًا للقانون الدولي، وبدأ شارون، في العام 2003م، التحدث عن خطة الفصل الأحادي الجانب، المعروفة باسم (فك الارتباط) مع قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، والتي أصر على تنفيذها من جانب واحد دون أي اتفاق مع الفلسطينيين، وقد صادق الكنيست الإسرائيلي على هذه الخطة، قبل يوم واحد من تدهور صحة الرئيس الفلسطيني عرفات ونقله بعد يومين تقريباً إلى باريس، حيث حاول الأطباء تحسين وضعه الصحي وإنقاذ حياته في مستشفى بيرسي العسكري.
عرفات.. الرمز
فأبو عمار والذي عُرف بالتزامه ببرنامج عمل يومي لا يكاد يتيح متسعاً للرقود أو الراحة، حتى إنه كاد أن يصل الليل بالنهار في برنامج عمل مكتبي.. لم يكن عرفات خطيباً مفوهاً بمنظار الفصاحة والبيان، لكنه كان يجيد لفت الأنظار إذا ما اعتلى المنصة ليرتجل كلمة، يختلط فيها ما هو فصيح بما هو عامي، في لكنة فلسطينية مصرية مختلطة، وقد حاول عرفات عبر أدائه الخطابي المعهود عنه، أن يبدو تلقائياً وغير متكلف.. كما اشتهر بقدرته العالية على التكتيك في مواجهة خصومه حتى إن كان هذا التكتيك يضرب المفاصل الإستراتيجية.
وبغض النظر عن الممارسة السياسية المتأرجحة بين محطة وأخرى، لم تكن مهارات (أبي عمار) الشخصية تتوقف عند هذا الحد، فقد برع في مراكمة الكاريزما، موظفاً ورقة (الشرعية النضالية) في هذا الاتجاه، بينما جاء وصف (القائد الرمز)، الذي عممته الآلة الدعائية لحركة فتح، ليصب في تعظيم الهالة الرمزية للرجل الأول والمركزي في الحركة ومنظمة التحرير.
ولا يمكن تصور الحضور الكاريزمي لعرفات بدون جملة من الخصائص الشكلية التي تشبث بها هو شخصياً، وآتت مفعولاً مثيراً للانتباه، إذ لم يتخل عرفات عن كوفيته إطلاقاً، إلا لحساب خيارات مؤقتة تلائم الظرف، كارتداء قبعة عسكرية في حصار بيروت 1982م أو قبعة الفراء الشهيرة في سنوات التنقل بين العواصم العربية والغربية، والتي كان يحرص على أن يعتمرها بشكل خاص في زياراته إلى موسكو، وفق أدبيات منظمة التحرير، إلا أنه لم يضعها أيضاً أثناء خروجه للعلاج إلى باريس في مرضه الأخير.
ولا يمكن على أي حال تقليل مفعول الكوفية، في تعميم (علامة ثورية) خاصة بعرفات، إذ سرعان ما أصبحت دلالة رمزية على مسيرة الكفاح الفلسطيني الحديث وازدادت فعالية ذلك مع حرص عرفات على الظهور بالهيئة ذاتها تقريباً على مدى أربعة عقود.
ورغم أهمية العوامل المظهرية في نحت نموذج عرفات الزعامي، فإن ذلك لا يُغفل عاملاً مهماً يتمثل في فهم عرفات، وفي مراحل مبكرة، لخصوصية الحالة الفلسطينية، وطبيعة المزاج العام السائد لدى شعب حُرم من وطنه وسيادته ويتطلع إلى تقرير مصيره عبر مسيرة نضال شاقة.

(*) كاتب وباحث فلسطيني

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved