لا أريد أن أكتب عن المشاهير الذين سقطوا في مجزرة الفنادق بالعاصمة الأردنية.. فقدرهم أن يودعوا الحياة في فاجعة تتوافق مع حياتهم الصاخبة وأعمالهم الكبيرة سواء كانت أنشطة سياسية أو اقتصادية أو حتى فنية. العقاد نموذج مات ميتة تتناسب مع هامته الفنية العالية، على الرغم من أن الموت رهيب ومحزن خصوصاً ان رافق الإنسان إحدى بناته في رحلة وداع هذه الحياة الفانية. لن أطيل الكتابة عن هؤلاء الكبار الذين يستحقون الكتابة وسيجدون من يكتب عنهم، ولكن سأكتبُ عن الناس البسطاء الذين حضروا من الأراضي الفلسطينية ليحضروا عرس ابنتهم وابنهم. حضروا من أرضٍ يحاصر جنود الاحتلال كل شبر فيها، واجتازوا الحواجز الأمنية وتعرضوا لعيون جنود إسرائيل الذين تفحصوا وجوههم، وتبحلقوا في عيونهم لقراءة نواياهم، وبعد أن عبروا كل الحواجز.. وخضعوا لكل إجراءات التفتيش، وعبروا المنفذ الموصل بين الضفة الغربية من فلسطين والأردن ودخلوا الفندق.. واستقروا في القاعة التي شهدت عرس ابنتهم وابنهم.. وبدلاً من أن يعيشوا لحظات فرح حرموا منها في أرضهم.. غرقوا في بحرٍ من الدماء.. بعضهم عاد إلى فلسطين جثثاً تحمل آثار عدوان إخوانهم الذين (يجاهدون بدماء الأبرياء).. والبعض الآخر عاد وهو يحمل أضعافاً مضاعفة من الحزن والهموم والألم من ظلم ذوي القربى. فقرية سيلة التي فقدت سبعة عشر فرداً من أبنائها وبناتها وجميعهم من عائلة الأخرس لم تفقد طوال فترة الاحتلال الإسرائيلي الذي تجاوز الأربعين عاماً سوى اثني عشر شهيداً. اثنا عشر شهيداً من قرية سيلة في أربعين عاماً.. وسبعة عشر شهيداً من القرية ومن عائلة في ليلة واحدة.. ليلة كانت مخصصة للفرح.. للعرس، حوّلها الإرهابيون إلى مأتم لاختطاف البهجة من كل عربي ومسلم.. وليس من أفئدة وعيون الأردنيين والفلسطينيين.. فكلنا حزينون ومبتئسون بعد تفشي ثقافة قتل الأبرياء باسم الجهاد.. حيث يسيء ويشوه مشيعو هذه الثقافة لديننا ومعتقداتنا.. ويقتلون مع أهلنا وأبنائنا الفرح في نفوسنا.
|