كنت أتحدث مع الأستاذ القدير الشاعر أحمد فرح عقيلان - رحمه الله - عن سيل التغريب الذي اجتاح كثيراً من الأدباء والشعراء العرب والمسلمين، وعن تلك الكتابات التي تمثِّل بكل عنفٍ وإصرار ذلك التغريب، وعن الهزيمة الفكرية والنفسية التي يعيشها كثير من المثقفين والأدباء الذين جرف سيل التغريب سياج فطرتهم فأصبحوا مكشوفين للغثاء والهواء المحمَّل بالجراثيم. وجرى الحديث عن (حرية الأدب) التي أصبحت لافتة كبيرةً يكتب تحتها دُعاة الانحراف الخلقي في الأدب كلَّ عناوين التمرُّد على قيم الإسلام وأخلاق المجتمعات البشرية الفاضلة. وتناول الحديث تلك الأقلام التي تكتب بها أيدي كتَّاب مسلمين ما يصادم الأخلاق وما يناقض نصوصاً شرعية ثابتة، والأقلام الرديفة المناصرة لها التي تدعم انحرافها، وتدافع عن انجرافها، وتصرخ في وجه كلِّ من ينقدها وينصحها ويوجِّهها إلى الصواب. وكان التساؤل: لماذا يجري هذا، وكيف حدث؟ لماذا يسيل كلُّ هذا الصَّديد، والحقد، والقطران من تلك الأقلام التي تجنح وتردح وترتح دون خوفٍ من الله عزَّ وجلَّ؟ قال الأستاذ أحمد فرح عقيلان - رحمه الله -: والله يا بني لقد لقيت من عُنْف ومصادرة هؤلاء الكتاب وتطرُّقهم، وتكتُّلهم ضدي ما لم أكد أصدِّق أنه يحدث في أي بلدٍ عربي مسلم، ناهيك عن حدوثه في بلاد الحرمين الشريفين، ولقد أحسست من خلال ذلك أنني أمام (أحزاب مخيفة) مع أنني إنسان مسالم، لم أقل إلا ما اعتقد أنه الصواب في كتاب (جناية الشعر الحر), وأنا أديب ذو خبرة وتجربة أعرف تمام المعرفة كيف نشأ الشعر الحر على يد بعض المشبوهين من أصحاب الانحراف الفكري والعقدي، في وقت لم يكن يعرف كثير من القراء أسماءهم، ومع أنني - أيضاً - أدعو إلى التجديد في الأشكال الأدبية، وأرى جمال كثير من النصوص الشعرية التفعيلية. قال الأستاذ أحمد - رحمه الله -: لما كنت في باريس مع وفد من الأدباء من المملكة وغيرها، وكنت حينها مدير إدارة الأندية الأدبية، رأيت من تجمُّع عددٍ من الأدباء والأديبات - كما يطلق عليهم - على طاولات مستديرة تتزاحم عليها الكؤوس من كلِّ لون شيطاني وجنس إبليسي - وذكر لي عدداً من الأسماء أدهشني ذكرها - ثم قال: لمّا وجَّهت إليهم نصيحتي بكل إشفاقٍ ومودَّة قال لي أحدهم: اترك نصائحك ياشيخ أحمد لنفسك، واجمعها لتلقيها في مسجدك الذي تخطب فيه الجمعة في الرياض، ثم ضحك وضحك معه مرافقوه وكانت ضحكاتهم من العنف والقهقهة الصاخبة بصورةٍ جعلتني أضحك حتى عاتبت نفسي، قلت لهم: يا أبنائي أنتم تدمرون أنفسكم بهذه الطريقة، وتُسهمون في تحطيم شخصية أمتكم وبلادكم، وتقدِّمون أنفسكم غنيمة باردة للمارد الغربي الذي لا يكتفي بأكل اللحم، بل يمتصُّ الدَّم، ويقرض العظم. قال الشيخ أحمد: فقال أحدهم صارخاً في وجهي: أتمنَّى أن ترى قريباً هذه الجلسة بهذه الصورة في الميادين العامة في مدينة الرياض وجدة والدمَّام. قال: فشعرت بأسى شديد وقلت: بل أسأل الله أن يهديكم ويردَّكم إلى الصواب، ويحفظ على بلد الإسلام شموخه وأخلاقه. عادت إلى ذاكرتي هذه الجلسة مع الأستاذ أحمد فرح عقيلان وأنا أقرأ هذه الأيام نماذج متعددة شعراً ورواية ومقالة تخدمها وسائل إعلامية متعددِّة بصورة تؤكد ما سبق أن قلته من قبل: (إن وراء الأكمة ما وراءها) تتفق جميع تلك النماذج على هدف واضح ألا وهو كسر حاجز الحياء والخلق باسم حرية الأديب، وباسم تصوير المجتمع على حقيقته، وباسم عدم الخداع بستر أمورٍ يمارسها المخطئون في الخفاء، وباسم كشف عوار المجتمع لإصلاحه. أعمال أدبية وليست بأدبيّة وأين الأدب من أعمال ترسم صوراً منوَّعة لما لا علاقة له بالأدب من سلوك البشر؟ أيها الأحبة، إنَّ من يكشف الصور السلبية للأفراد والمجتمعات بحجة الإصلاح، إنما ينقض بإصرار قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلاَّ المجاهرين). وجميع المصلحين الغيورين يعرفون أنَّ الناس خطَّاؤون، وأنَّ في المجتمعات من الأخطاء الكبيرة ما يزعجهم، ويسعون إلى الإصلاح بما يستطيعون دون أن يكشفوا عورات المجتمعات. إننا - بكل حب وحرص ومودَّة - نقول لكل من يريدون أن يحطِّموا ثقة الناس في بلدهم ومجتمعهم وأنفسهم وأهلهم، لإشاعة روح اليأس والاستسلام لتيَّارات التحلُّل تدعمها أعتى القوى العالمية اليوم: عودوا إلى رُشْد العقل، والحكمة، واستشعروا الخوف من الله، واسمحوا لي إنْ صدمت عقولكم (المستنيرة) بالوعظ لنفسي أوَّلاً ثم لكم، فنحن جميعاً لا نريد أن تتحقق أمنية ذلك الذي قال للأستاذ أحمد فرح عقيلان - رحمه الله -: إنَّه يتمنى أن يرى طاولة الكؤوس الشيطانية الباريسية في مدن بلد الإسلام علناً في وضح النهار. أليس كذلك؟! إشارة اللهم لا تجعلنا من الذين {قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ} (136) سورة الشعراء.
|