Sunday 13th November,200512099العددالأحد 11 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "محليــات"

هذرلوجياهذرلوجيا
المرغوب فيه
سليمان الفليح

قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، قال الرجل الذي كان يحتضر موصياً ابنه الوحيد (في وصية تختلف عن كل وصايا الآباء) في الدنيا:(اسمع يا بني، أوصيك بمصادقة أعتى سكّير في البلدة، ومصاحبة أكبر مقامر فيها، وملازمة أخطر نشّاليها) ثم أغمض عينيه ومات!!
***
وبالطبع تحيّر الفتى في هذه الوصية (الغريبة العجيبة) التي لم يوصها أب لابنه في الكون ومنذ نشأت الدنيا، إذ إن الآباء عادة ما يوصون أبناءهم بالفضائل والأخلاق الحميدة وعمل الخير والمُثل العليا.
***
وقد تردّد الفتى كثيراً في تحقيق وصية والده، ولاسيما أنه يعرف عنه الاستقامة والحكمة وسداد الرأي. وقال في نفسه: ولكنها وصية أبي وعليَّ تطبيقها رغم عدم قناعتي بها.
***
وسار الفتى في البلدة باحثاً عن أشهر سكّير فيها فوجده مضطجعاً على الرصيف بأسماله البالية ورائحته الكريهة والذباب الذي يتجمع حوله، ناهيك عن أقدام المارّة التي كانت تدوس على بعض أطرافه. ففكّر الفتى مليّاً وقال: إنني لن أكون مثل هذا حتى ولو غضب والدي في القبر. ثم بحث الفتى عن أكبر مقامر فيها فوجده يسير في الطرقات يتسوّل المارّة ويتعرّض إلى زجر السابلة ولعناتهم المتكررة فقال الفتى في نفسه: لن أكون يوماً من الأيام مثل هذا حتى ولو غضب والدي في القبر، ثم توجّه للبحث عن أخطر نشّال في البلدة فقيل له أنه في السجن، فوجده في حالة يُرثى لها. وقال في نفسه: لن أكون يوماً من الأيام مثل هذا حتى ولو غضب والدي في قبره.
***
المهم أن الفتى وبعد هذه المشاهد الثلاثة المؤلمة عرف سر تلك الوصية وأيقن بحنكة والده (الذي أراد له أن يرى هذه الحالات المزرية) بنفسه لا أن يقال له عنها وذلك لكي تكون (قناعته الشخصية) كاملة عن رداءة تلك الممارسات وسوء حال ممارسيها.
***
ما أردنا قوله هنا هو أن القناعة (الذاتية) غير الإقناع الوعظي وأن رؤية الأشياء غير السماع بها، وأن البحث عن الحقيقة هو الذي يرسّخها في الأذهان، وأن الأذهان التي تصل بقناعتها الذاتية بالأشياء هي غير الأذهان التي تتعود على الزجر والحجب والمنع، وذلك لأنه من طبيعة الإنسان البحث عن الممنوع (ليطمئن قلبه) عن سر منعه ومن هنا قيل أن (كل ممنوع مرغوب).
***
ولأنه لم يعد -في عصر المعلومات وثورة الاتصالات- أي حاجز يقف دون اكتشاف هذا الممنوع، وأن (حق المعرفة) مبذول للصغير قبل الكبير وليس العكس كما كان في السابق وذلك لأن قدرات الصغار في الوصول إلى معرفة الأشياء أصبحت اليوم أكبر من قدرات الكبار الذين كان بيدهم سابقاً صلاحية الرقابة والحجب والوعظ والتوجيه.
***
وهذا الحال برأيي المتواضع ينطبق تماماً على حال (الرقابة) أياً كان نوعها لأنه لم يعد من المجدي حجب المعلومة أو منعها عن الآخر في زمن الإنترنت والتواصل الإلكتروني الرهيب، فكلما حاولت (الرقابة) حجب معلومة ما بحجة (حماية النشء)، هرع (النشء) إلى أخذ تفاصيلها من مصادره الخاصة. ومن هنا فإنه من المحزن حقاً أن يكون ذلك الممنوع سواء كان شريطاً أو كتاباً قد حقق شهرة دعائية لم يحلم بها بسبب هذا المنع، حتى ولو كان هذا العمل تافهاً ولا يستحق كل هذه (الظهولة) حوله ولكننا -عن جهل فينا بالمتغيرات- نكون قد أسهمنا في انتشاره وتسويقه حتى ولو كان يسيء إلينا، مع أنه من الحكمة والوعي أن نُعرّي هذا الممنوع أمام عقولنا بل وعقول نشئنا ولو من خلال منطلق(اعرف عدوّك) سواء أكان هذا العدو فكراً(!!) أو تشويهاً أو تضليلاً أو تزويراً أو حتى تفاهة ما، لأنه من المنطق فضح هذه التفاهة وتسفيهها حتى لا تكون حقيقة هامة من خلال ذلك المنع، وبذلك نسهم في تأكيدها ومنحها أهمية لم تحلم بها، وهنا مكمن الخطورة التي تتجاوز حرص الرقابة ووصايتها في زمن القناعة والشفافية والعقل!! فهل نعي؟!!

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved